تتجه حركة المقاومة الإسلامية حماس والفصائل الفلسطينية الشريكة إلى تقديم رد قريب على الخطة الجديدة التي طرحها ممثل «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، وسط ترجيحات بأن يأتي الرد إيجابيًا من حيث المبدأ، لكنه محمّل بملاحظات جوهرية وضمانات مطلوبة، بعدما اتهمت الحركة الاحتلال بإعادة المفاوضات إلى نقطة الصفر عبر ورقة جديدة تراجعت عن تفاهمات جرى بحثها سابقًا.

 

وبحسب مصادر فلسطينية نقلت عنها «القدس العربي»، فإن رد حماس والفصائل لن يكون رفضًا مباشرًا كما حدث مع بعض النقاط في الخطة السابقة، بل سيأخذ صيغة «نعم ولكن»، بما يعكس رغبة في عدم تعطيل مسار التهدئة، مع رفض تحويل الاتفاق إلى نص غامض يسمح للاحتلال بالمراوغة أو التنصل من التزاماته. فالمعركة هنا لم تعد فقط حول صياغات سياسية، بل حول ضمانات تنفيذية تمس حياة سكان غزة، وحقهم في الغذاء والدواء والأمان والانسحاب.

 

خطة ملادينوف بين القبول المشروط وضمانات التنفيذ

 

تؤكد المعطيات أن حماس والفصائل تعاملت مع خطة ملادينوف الجديدة باعتبارها ورقة قابلة للنقاش، لا نصًا نهائيًا يُقبل كما هو أو يُرفض بالكامل. لذلك تركز المشاورات الداخلية على إدخال تعديلات وصيغ أكثر وضوحًا، خصوصًا في البنود المتعلقة بتنفيذ المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، وإدخال المساعدات، ووقف التصعيد، وترتيبات الانسحاب الإسرائيلي.

 

مصدر مطلع في حماس قال إن الحركة تمسكت خلال بحث الورقة الجديدة بجملة من المبادئ التي تحفظ حقوق الشعب الفلسطيني، خاصة تلك التي أقرتها المواثيق الدولية. وهذه الإشارة تعني أن الحركة لا تريد أن تنحصر المفاوضات في ترتيبات أمنية أو إدارية فقط، بل تسعى إلى تثبيت الحقوق الأساسية للفلسطينيين كمرجعية لأي اتفاق، وفي مقدمتها وقف العدوان والحصار وضمان الحياة الكريمة للمدنيين.

 

أما مصدر آخر من فصيل فلسطيني مشارك في محادثات التهدئة، فأوضح أن الرد سيكون بصيغة «نعم ولكن»، مشيرًا إلى استمرار المشاورات الداخلية والاتصالات مع الوسطاء من أجل جسر الهوة القائمة. هذه الصيغة تعكس محاولة فلسطينية للضغط السياسي دون إغلاق الباب، لكنها في الوقت نفسه تكشف حجم الشكوك في نوايا الاحتلال، خصوصًا بعدما قدم ورقة جديدة وُصفت بأنها تراجع عن نقاط سبق التفاوض عليها.

 

وتريد الفصائل أن تضمن الخطة آليات تنفيذ واضحة لا تسمح بتكرار التجربة السابقة، حيث تلتزم المقاومة بما عليها، بينما يتهرب الاحتلال من إدخال المساعدات أو وقف الهجمات أو تنفيذ الانسحابات. ومن هنا تأتي أهمية الملاحظات الفلسطينية، فهي ليست تفاصيل لغوية، بل شروط لحماية الاتفاق من الانهيار أو التحول إلى غطاء جديد للحصار والضغط الإنساني.

 

غزة بين الحصار والجوع وضرورة تنفيذ المرحلة الأولى

 

في صلب الموقف الفلسطيني، يبرز التمسك بتنفيذ كامل المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، باعتبارها المدخل الطبيعي لأي انتقال لاحق نحو مراحل سياسية أو أمنية جديدة. وتشمل هذه المرحلة إدخال المساعدات الغذائية والطبية والإغاثية إلى قطاع غزة وفق البروتوكول الإنساني، إلى جانب وقف التصعيد والهجمات اليومية التي تزيد من مأساة السكان.

 

وتشير المصادر إلى أن سلطات الاحتلال، منذ بدء العمل باتفاق المرحلة الأولى في 10 أكتوبر من العام الماضي، لم تسمح إلا بدخول ثلث كميات المساعدات المخصصة لسكان غزة، الأمر الذي أبقى الأزمة الإنسانية في مستوى كارثي. وبهذا المعنى، فإن الحديث عن تهدئة لا يمكن أن يكون جادًا بينما الجوع والمرض والنزوح يطاردون المدنيين، وتبقى المعابر أداة ابتزاز سياسي لا منفذ نجاة إنساني.

 

ويشدد المصدر الفلسطيني على ضرورة بدء عملية إغاثة عاجلة لغزة وعدم ربطها بأي ملفات أخرى، خاصة في ظل ارتفاع درجات حرارة الصيف وانتشار أمراض النزوح والحرب. فالسكان الذين خرجوا من حرب إبادة وحصار طويل لا يمكن أن ينتظروا جولات جديدة من المساومة، ولا يجوز تحويل الدواء والخبز والخيام إلى أوراق ضغط على طاولة المفاوضات.

 

ومن بين الملاحظات الفلسطينية أيضًا ربط ملف «حصر السلاح» بالانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، مع ضرورة وجود ضمانات دولية لتنفيذ الانسحابات. وهذا الربط يكشف أن الفصائل ترفض تقديم تنازلات أمنية مجانية في ظل بقاء الاحتلال داخل القطاع أو احتفاظه بقدرة على العودة والتوغل والقتل. فالانسحاب، من وجهة نظرها، ليس تفصيلًا فنيًا، بل شرطًا لأي نقاش لاحق حول ترتيبات أكثر تعقيدًا.

 

وبذلك يصبح جوهر الموقف الفلسطيني واضحًا: لا تهدئة حقيقية بلا إغاثة، ولا مرحلة ثانية بلا استكمال الأولى، ولا ترتيبات أمنية بلا انسحاب وضمانات. هذه ليست شروطًا تعجيزية، بل محاولة لمنع الاحتلال من تحويل المفاوضات إلى دائرة مغلقة تبدأ كل مرة من الصفر وتنتهي بتخفيف مؤقت للضغط دون تغيير حقيقي في واقع غزة.

 

الاحتلال يعيد التفاوض إلى الصفر

 

في هذا السياق، كشف طاهر النونو، مستشار رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، أن الاحتلال أعاد المفاوضات إلى نقطة الصفر عبر تقديم ورقة جديدة تراجع فيها عن النقاط التي جرى التفاوض عليها سابقًا. وقال إن التزام الاحتلال بالاتفاقات لا يتجاوز 20 أو 30 في المئة، بينما تبقى التزامات الفصائل شبه كاملة، وهو اتهام يضع إسرائيل في موقع الطرف الذي يستخدم التفاوض للمراوغة لا للحل.

 

حديث النونو يعكس أزمة ثقة عميقة في المسار كله، فحين يتراجع الاحتلال عن تفاهمات سابقة ويطرح ورقة جديدة، فإن ذلك يعني أنه يسعى لفرض واقع تفاوضي جديد تحت ضغط التجويع والحصار. وهذا ما أشار إليه النونو حين أكد أن الاحتلال يحاول من خلال الضغط الإنساني فرض واقع جديد، بدل الالتزام بما تم الاتفاق عليه.

 

كما أكد النونو أن موقف حماس كان واضحًا بضرورة استكمال المرحلة الأولى، التي تشمل الانسحاب من غزة، قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية. لكن الاحتلال، وفق روايته، تحرك نحو نسبة 9 في المئة بعد «الخط الأصفر»، الذي أطلق عليه «الخط البرتقالي»، بما يعني عمليًا خلق خطوط جديدة على الأرض بدل تنفيذ الانسحاب المتفق عليه.

 

هذه التفاصيل تكشف أن الخلاف ليس حول بند منفرد، بل حول فلسفة الاتفاق نفسها. فالفصائل تريد اتفاقًا ينفذ بالتتابع وبضمانات، بينما يحاول الاحتلال القفز على المراحل، وإعادة تعريف الالتزامات، وترك الأزمة الإنسانية قائمة لاستخدامها كورقة ضغط. لذلك يبدو الرد الفلسطيني المرتقب محاولة لإعادة تثبيت قواعد التفاوض، لا مجرد تعليق على خطة ملادينوف.

وفي النهاية، فإن عبارة «نعم ولكن» تختصر الموقف الفلسطيني الراهن: نعم لأي مسار يوقف العدوان ويفتح باب الإغاثة ويضمن الانسحاب، ولكن لا لخطة فضفاضة تسمح للاحتلال بالتراجع أو الابتزاز أو إعادة إنتاج الحصار. وبينما تنتظر الأطراف رد حماس والفصائل، يبقى سكان غزة هم الطرف الأكثر دفعًا للثمن، وسط كارثة إنسانية لا تحتمل مزيدًا من المراوغة ولا جولات تفاوض بلا تنفيذ.