على الرغم من أن القانون المصري يُجرّم كافة الأفعال والممارسات الاحتكارّية التي تؤدي إلى تدمير المنافسة الاقتصادية أو تقييدها في الأسواق، إلا أن الواقع يشير إلى انعدام أجواء المنافسة الاقتصادية، حيث يخضع الاقتصاد لهيمنة المؤسسة العسكرية، التي تمددت بشكل كبير في مختلف القطاعات الاقتصادية، واستحوذت على الأصول العامة والثروات، وأطلقت يدها في كل المشاريع الكبرى بالبلاد، مستفيدة من الامتيازات الواسعة التي تحصل عليها.
فمع تولي قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي الحكم في 2014، أطلق يد المؤسسة العسكرية في المشاريع الاقتصادية الكبرى، ليشمل البنية التحتية، الإسكان، الطرق، الصناعات الغذائية، الزراعة، الثروات المعدنية، الاستزراع السمكي، التكنولوجيا، وحتى الإعلام.
وعلى رأس هذه المشروعات كانت تفريعة قناة السويس، مشروعات الإسكان الاجتماعي، إنشاء العاصمة الإدارية الجديدة، وعدة مدن أخرى مثل الجلالة والمنصورة الجديدة وشرق بورسعيد.
ووففًا للتقديرات الاقتصادية غير الرسمية، فإن المؤسسة العسكرية تسيطر على نسبة تتراوح بين 25% إلى 40% من إجمالي الاقتصاد المصري، والتي تشمل البنية التحتية، والمقاولات، والطاقة، والصناعات الغذائية، والاستهلاك المدني.
بينما تولت الشركة الوطنية لإنشاء الطرق بناء وإدارة شبكات الطرق الجديدة، وتحصيل الرسوم منها. فيما أصبح "جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة" فاعلًا رئيسًا في مشروعات الزراعة واستصلاح الأراضي، وحاول في 2024 دخول مجال استيراد السلع الاستراتيجية كبديل للهيئة العامة للسلع التموينية، واحتكر استيراد البيض.
مميزات تعطي الجيش الأفضلية المطلقة في الاقتصاد
وتستفيد المؤسسة العسكرية من ميزات تنافسية يصعب على القطاع الخاص منافستها، وتتمثل في:
الإعفاءات الضريبية والجمركية: تُعفى أرباح الشركات العسكرية من ضرائب الدخل، كما تتمتع بإعفاءات واسعة من الرسوم الجمركية على الواردات المخصصة لوزارة الدفاع، وكافة الأنشطة والممتلكات والمشروعات الاستثمارية والخدمية الخاصة بها، وفقًا لقوانين الإعفاءات وقرارات القوانين المتعلقة بالضريبة على العقارات المبنية والقيمة المضافة.
العمالة منخفضة التكلفة: تستفيد المشاريع الاقتصادية العسكرية من توفر الأيدي العاملة التابعة للخدمة العسكرية المجندين في إنجاز مهام مدنية تتراوح بين أعمال البناء، إلى العمل في مصانع الأغذية ومحطات الوقود، مقابل الحصول على أجور رمزية، مما يوفر على المؤسسات العسكرية مليارات الجنيهات التي كان يمكن أن تُنفق كأجور لعمالة ماهرة أو عادية من السوق الحر.
الإسناد المباشر: تحظى الهيئات التابعة للقوات المسلحة بأولوية وإسناد مباشر للمشروعات القومية الكبرى دون المرور في كثير من الأحيان بآليات المناقصات والطرح التنافسية. ومن خلال جهات مثل "الهيئة الهندسية" و"جهاز مشروعات الخدمة الوطنية"، تم إسناد آلاف المشروعات بصورة مباشرة، بعيدًا عن آليات المنافسة العامة.
التداعيات الاقتصادية:
تراجع دور القطاع الخاص: تواجه الشركات الخاصة صعوبة بالغة في التنافس على قدم المساواة في ظل غياب "تكافؤ الفرص"، نتيجة لتوسع المؤسسات الاقتصادية التابعة للجيش في الأنشطة المدنية، مما خلق بيئة تنافسية غير متكافئة. وتسبب هذا الوضع في تقليص فرص الشركات الخاصة في الحصول على عقود حكومية، وواجه استراتيجيات النمو في مجالات متعددة.
غياب الشفافية: لا تخضع الأنشطة الاقتصادية والمشروعات التجارية للمؤسسة العسكرية للبيانات التفصيلية المعتادة في الموازنة العامة للدولة. بل تُدار إيراداتها غالبًا عبر "صناديق وحسابات خاصة" تخرج عن إطار الرقابة البرلمانية المباشرة وتخضع لتقديرات واستثناءات تتعلق بالأمن القومي.
ونتيجة لذلك، تصبح المؤسسة العسكرية كيانًا اقتصاديًا خارج المنافسة، الأمر الذي يفرض بيئة غير متكافئة أمام باقي الفاعلين في السوق.
إلا أنه وتحت ضغط الأزمات الاقتصادية وبرامج الإصلاح المدعومة من صندوق النقد الدولي، التزمت حكومة الانقلاب بتنفيذ برنامج التخارج من الأصول المملوكة للدولة. ويتضمن ذلك طرح حصص من الشركات المملوكة للجيش للقطاع الخاص أو المستثمرين الأجانب، بهدف إفساح المجال للقطاع الخاص وجذب تدفقات مالية أجنبية.
وفي أبريل 2026، أقر مجلس النواب بشكل نهائي مشروع قانون جديد مقدم من الحكومة بشأن حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، في خطوة تهدف إلى مكافحة الممارسات الاحتكارية الضارة، وإزالة العوائق أمام دخول الأسواق، وتهيئة مناخ تنافسي جاذب للاستثمارات، إلا أنه من غير المرجح أن يستهدف ذلك الشركات التابعة للمؤسسة العسكرية.

