أعلن الاتحاد السوري لألعاب القوى غياب المنتخب الوطني عن البطولة العربية الأولى تحت 16 عاما والبطولة العربية الثالثة تحت 23 عاما في مدينة الإسماعيلية المصرية، بعد عدم حصول البعثة على التأشيرات اللازمة، لتضيع مشاركة رياضية عربية كاملة.
وبالتالي، لم تعد الأزمة مجرد إجراء قنصلي متأخر، بل تحولت إلى رسالة قاسية للاعبين صغار وشباب دفعوا ثمن باب إداري مغلق، في بطولة كان يفترض أن تجمع العرب لا أن تستبعدهم على الحدود.
تأشيرات تعطل الحلم
كما أن الاتحاد السوري أكد إنجاز جميع المتطلبات الإدارية ضمن المهلة المحددة، بما في ذلك إرسال قوائم الوفد والوثائق الرسمية للجنة المنظمة، وهو ما يجعل الغياب نتيجة مباشرة لتعطل التأشيرات لا لتقصير معلن من البعثة.
ولزيادة حساسية المشهد، جاءت الأزمة قبل بطولة تقام من 20 إلى 24 يونيو في الإسماعيلية، ما يعني أن المعسكرات والتحضيرات الفنية والبدنية للاعبين واللاعبات تحولت فجأة إلى انتظار بلا جدوى.
لذلك، يصبح حرمان منتخب كامل من السفر ضربة مزدوجة، فهي تسقط حق المشاركة أولا، ثم تضرب ثقة اللاعبين الصغار في عدالة المنافسات، خاصة عندما يكون الحديث عن فئتين عمريتين ناشئتين.
ومن ثم، فإن الأعراف الرياضية لا تقف عند تجهيز المضمار والفنادق والحافلات، بل تبدأ من ضمان وصول الوفود، لأن البطولة التي تعجز عن فتح بوابة الدخول تفقد جزءا أساسيا من معناها.
غير أن اللجنة المنظمة لم تصدر، حتى وقت تداول البيان، توضيحا كافيا يشرح سبب عدم منح التأشيرات أو الجهة التي عطلتها، وهو صمت يزيد الالتباس ويترك الرواية السورية بلا رد رسمي واضح.
علاوة على ذلك، كان الاتحاد المصري واللجنة المنظمة قد أعلنا موافقة 15 دولة عربية على المشاركة، وكانت سوريا ضمن القائمة المنشورة، قبل أن يتحول اسمها من دولة مشاركة إلى بعثة غائبة.
بطولة عربية ورسالة مرتبكة
بناء على ذلك، تكشف الواقعة ارتباكا تنظيميا واضحا، لأن إعلان مشاركة سوريا ثم غيابها بسبب التأشيرات يطرح سؤالا مباشرا عن التنسيق بين الجهات الرياضية والجهات السيادية المسؤولة عن الدخول.
في المقابل، كانت وزارة الشباب والرياضة المصرية تؤكد متابعة الاستعدادات النهائية لاستضافة البطولتين على مضمار استاد هيئة قناة السويس، بمشاركة عربية واسعة، لكن أزمة سوريا كسرت صورة الاكتمال التنظيمي المعلنة.
فضلا عن ذلك، قال محمد أبو فندي، مدير البطولة، إن جميع الترتيبات الفنية والإدارية تسير وفق الجدول الزمني، وإن لجان التنظيم والاستقبال والإقامة والنقل أنهت استعداداتها لاستقبال الوفود المشاركة.
كذلك، أكد أبو فندي أن بطولتي تحت 16 و23 عاما تمثلان قاعدة لإعداد أبطال المستقبل، وأن الاحتكاك الفني بين اللاعبين العرب يرفع مستوياتهم ويمنحهم خبرات للاستحقاقات القارية والدولية.
وعليه، يصبح غياب سوريا أكثر إيلاما، لأن الفئات العمرية الصغيرة لا تبحث عن ميدالية فقط، بل عن تجربة احتكاك وبناء ثقة واكتشاف مستوى، وهي أمور لا تعوض ببيان اعتذار.
ثم إن البطولة ليست حدثا بروتوكوليا عاديا، بل مساحة لبناء جيل عربي جديد في ألعاب القوى، ولذلك فإن استبعاد بعثة بالتأشيرات يطعن فكرة التضامن الرياضي من داخلها.
ومن ناحية أخرى، تؤكد اللجنة الأولمبية الدولية في مبادئها أن الرياضيين المؤهلين يجب أن يتمكنوا من المشاركة في المنافسات دون تمييز، بما يتفق مع حياد الرياضة وعدم خضوعها للحسابات السياسية.
السياسة على باب الملعب
هكذا، يظهر الخطر عندما تتحول التأشيرة إلى بوابة تصفية غير معلنة، فالدولة المضيفة تملك سيادتها، لكنها عندما تستضيف بطولة عربية تصبح مطالبة بتسهيل دخول الوفود لا تركها عالقة.
إضافة إلى ذلك، فإن غياب الشرح الرسمي المصري يفتح الباب لتأويلات سياسية لا تخدم الرياضة ولا صورة البطولة، خاصة أن الأزمة تمس منتخبا عربيا لا فردا واحدا أو حالة استثنائية.
وبالمثل، لا يمكن تحميل اللاعبين السوريين وزر ظروف سياسية أو إدارية أكبر منهم، لأن الرياضة يفترض أن تمنحهم نافذة للحضور العربي، لا أن تعيد إنتاج العزلة عند أول بوابة سفر.
مع ذلك، لا تتوافر حتى الآن معلومات رسمية كافية تؤكد سبب الرفض أو التأخير، ولذلك يبقى الاتهام السياسي المباشر بحاجة إلى دليل، بينما تبقى النتيجة الثابتة هي حرمان البعثة من المشاركة.
ومن هنا، فإن الموقف المطلوب ليس تبادل اللوم، بل نشر بيان شفاف من الجهة المنظمة يوضح timeline الإجراءات، ومتى وصلت القوائم، وأين تعطلت التأشيرات، وما إذا كانت هناك محاولة إنقاذ أخيرة.
وفوق ذلك، قال الاتحاد العربي لألعاب القوى إن بطولة الإسماعيلية محطة مهمة في أجندة اللعبة، وهذه الأهمية تجعل أي خلل في الوصول مسألة تمس مصداقية الحدث لا بعثة سوريا وحدها.
وبذلك، فإن الأزمة تضرب صورة الاستضافة المصرية التي روجت للحدث باعتباره نموذجا للتنظيم العربي، لأن التنظيم لا يكتمل بالمضمار والافتتاح، بل باحترام حق كل بعثة مستوفية في الحضور.
في المحصلة، يدفع اللاعب السوري الناشئ ثمن خلل لم يصنعه، بينما تخسر البطولة جزءا من معناها العربي، وتتحول الإسماعيلية من مساحة تنافس إلى شاهد على فشل إداري يحتاج مساءلة.
لذا، فإن حماية البطولات العربية تبدأ من تعهد واضح بأن التأشيرات لن تستخدم كعائق مفاجئ، وأن الاتحاد العربي والجهة المضيفة مسؤولان عن ضمان وصول الوفود قبل موعد المنافسات بوقت كاف.
وأخيرا، تبقى أزمة سوريا في بطولتي 16 و23 عاما اختبارا للرياضة العربية كلها: هل تكون الملاعب جسورا بين الشعوب، أم تتحول التأشيرات إلى حواجز تسقط أحلام اللاعبين قبل خط البداية.

