قررت الجهات المختصة إحالة السيد علي فهيم الشهير بسيد مشاغب و5 آخرين في بولاق الدكرور إلى محكمة جنايات الإرهاب، على خلفية اتهامات التجمهر وحيازة ألعاب نارية، لينتقل الاحتفال بخروجه إلى محاكمة جديدة.
وبالتالي، تكشف الواقعة كيف يتحول خروج رجل أمضى نحو 11 عامًا خلف القضبان إلى باب جديد للملاحقة، بينما تتراجع فكرة العدالة التصالحية أمام منطق أمني يطارد الإنسان حتى بعد استنفاد عمره في السجون.
كما أن اختيار محكمة جنايات الإرهاب لوقائع مرتبطة بالتجمهر والألعاب النارية يطرح سؤالًا سياسيًا قاسيًا حول تضخيم الاتهام، وتحويل مشهد استقبال شعبي محدود إلى ملف ذي دلالة أمنية أوسع من حجمه الواقعي.
لذلك، لا تبدو القضية مجرد إجراء قضائي عابر، بل حلقة جديدة في علاقة السلطة بالمدرجات والجمهور والذاكرة، حيث يصبح التشجيع والانتماء والحضور الجماعي مساحة مراقبة مستمرة لا فعلًا اجتماعيًا طبيعيًا.
ومن ثم، فإن إعادة حبس مشاغب بعد الإفراج عنه بساعات قصيرة تضرب معنى الفرصة الثانية، وتبعث رسالة خشنة إلى كل من خرج من السجن بأن الحرية قد تكون ممرًا مؤقتًا لا نهاية للمعاناة.
غير أن الوقائع المعلنة لا تتجاوز، بحسب الدفاع، التجمهر وحيازة الألعاب النارية، وهو ما يجعل الإحالة إلى مسار استثنائي ثقيل سياسيًا وقانونيًا، خصوصًا في ظل نفي وجود تنظيم مسبق للاحتفال.
علاوة على ذلك، يلفت المحامي أسامة الجوهري إلى أن القبض لم يقع داخل موقع التجمهر أو أثناء ارتكاب الوقائع، بل من المنازل لاحقًا، بما يفتح بابًا واسعًا للطعن على سلامة الإجراءات.
من الشماريخ إلى محكمة الإرهاب
بناءً على ذلك، تتقدم رواية الدفاع على رواية التحريات في نقطة جوهرية، فالإفراجات الخارجة من مقار احتجاز أمنية لا يعرف موعدها الجمهور سلفًا، ما يضعف فرضية التنظيم المسبق للاحتفال.
وفي المقابل، تتمسك الأجهزة الأمنية بأن التجمع تسبب في تعطيل المرور وترويع المواطنين، غير أن تحويل هذا الادعاء إلى مسار إرهاب يكشف اتساع المظلة الأمنية على حساب التناسب القانوني المطلوب.
ثم إن القضية تعيد إلى الواجهة قانون التجمهر نفسه، وهو قانون شديد الالتباس في الذاكرة الحقوقية المصرية، بعدما ظل حاضرًا في ملاحقة التجمعات رغم الجدل القانوني الطويل حول شرعيته واستخدامه.
إلى جانب ذلك، سبق أن شارك المحامي نجاد البرعي في مسار قانوني للطعن على قانون التجمهر، باعتباره أداة قمعية مرتبطة بتاريخ طويل من تقييد الحق في التجمع السلمي.
كذلك، يرى حقوقيون أن بقاء قوانين التجمهر والعقوبات الاستثنائية يسمح بإلباس الوقائع اليومية ثوب الخطر العام، فتتحول الشماريخ والهتافات إلى مدخل لمحاكمة أشد من طبيعة الفعل نفسه.
ومن ناحية أخرى، يظهر اسم سيد مشاغب بوصفه رمزًا لتاريخ علاقة الدولة بروابط المشجعين، لا مجرد متهم في واقعة محددة، وهو ما يجعل التعامل معه محكومًا بذاكرة أمنية قديمة.
على هذا الأساس، تتحول القضية إلى اختبار لمعيار المساواة أمام القانون، فهل يحاكم الرجل على واقعة محددة أم على صورته القديمة في خطاب السلطة عن الروابط الرياضية غير الشرعية.
سنوات السجن وظل الفرصة الثانية
ومع ذلك، لا يمكن فصل الإحالة الجديدة عن المسار الطويل الذي بدأ منذ أحداث استاد الدفاع الجوي عام 2015، ثم سنوات الحبس والعقوبة والاتهامات اللاحقة في قضايا أمن دولة.
إذ قضى مشاغب سنوات طويلة داخل السجن، ثم خرج بقرار من نيابة أمن الدولة العليا قبل أن يعاد توقيفه بعد احتفال جماهيري، وكأن الخروج نفسه صار واقعة تستوجب العقاب.
ولذلك، اعتبر سياسيون وحقوقيون أن إعادة حبسه تطرح سؤالًا إنسانيًا عن حق السجين السابق في استعادة حياته، بدل أن يبقى تحت عين العقاب حتى بعد انتهاء سنواته الثقيلة.
فضلًا عن ذلك، يشير الحقوقي حسام بهجت في نقده المتكرر لملف الحبس الاحتياطي والتدوير إلى أن السجن والتخويف منه ليسا وسيلة حكم آمنة أو قابلة للاستمرار.
وبهذا المعنى، تصبح قضية مشاغب مثالًا على أزمة أوسع، حيث لا يغلق السجن ملف الإنسان، بل يفتح حوله دوائر اشتباه جديدة تعرقل العودة الطبيعية إلى الأسرة والعمل والمجتمع.
في الوقت نفسه، أصدرت رابطة وايت نايتس بيانًا ربطت فيه ذكرى ميلاده بجلسة تجديد حبسه، معتبرة أن ما جرى معه تجاوز حدود العقوبة إلى استنزاف عمر إنسان.
ومن زاوية إنسانية، لا يمكن تجاهل أن مشهد الاستقبال جاء بعد نحو 11 عامًا من الغياب، بما يجعل العفوية أقرب لفهم ما حدث من افتراض وجود خطة منظمة للتجمهر.
غير أن السلطة اختارت قراءة المشهد بمنطق السيطرة لا بمنطق احتواء ما بعد السجن، فبدل أن يكون الإفراج بداية تهدئة، صار عنوانًا لجولة جديدة داخل المحاكم والحبس.
دفاع قانوني وسؤال سياسي مفتوح
في هذا السياق، يؤكد أسامة الجوهري أن الدفاع يطعن في التحريات وينفي وجود اتفاق مسبق، ويرى أن القبض اللاحق من المنازل ينسف صورة الضبط المتلبس التي تحتاجها رواية الاتهام.
ومن جهته، يقدم نجاد البرعي نموذجًا لقراءة قانونية أوسع لقوانين التجمع، فالأزمة ليست في واقعة مشاغب وحدها، بل في أدوات تشريعية تسمح بتوسيع الاتهام كلما أرادت السلطة ذلك.
أما حسام بهجت، فيمثل صوته الحقوقي خلفية مهمة لفهم الملف، إذ ظل ينتقد أزمة الحبس الاحتياطي والتدوير واعتبار السجن وسيلة لإدارة المجال العام بدل سيادة القانون.
لزيادة وضوح الصورة، تبدو محكمة الإرهاب هنا عنوانًا سياسيًا بقدر ما هي مسار قضائي، لأنها تمنح قضية ألعاب نارية وتجمهر وزنًا استثنائيًا يضغط على المتهمين والرأي العام معًا.
وبناءً على ذلك، لا تنفصل القضية عن نمط أوسع من تحويل الملفات الاجتماعية والرياضية إلى ملفات أمنية، حيث يصبح الجمهور خطرًا محتملًا، وتصبح الفرحة العامة واقعة قابلة للتجريم.
في النهاية، إحالة سيد مشاغب ورفاقه ليست مجرد خبر قضائي، بل مرآة لنظام يعاقب الذاكرة والانتماء والفرح، ويترك سؤال العدالة معلقًا بين باب السجن وباب المحكمة.

