لم يكن الانقلاب على الرئيس المنتخب محمد مرسي في الثالث من يوليو 2013 وليد الصدفة، بل كان مدبرًا ومخططًا له، وتحديدًا منذ اللحظة التي أعلن فيها المجلس العسكري الحاكم فوزه في أول انتخابات تعددية أجريت بعد ثورة 25 يناير 2011.
فقد كانت النية متجهة منذ البداية لإعلان فوز الفريق أحمد شفيق، كما ظهرت في التسريبات لإعلاميين موالين للمجلس العسكري، ومن بينهم مصطفى بكري، لكن الرأي العام الضاغط، ووهج الثورة الذي كان لا زال حاضرًا بقوة في ميادين مصر أجبر المجلس العسكري على الرضوخ للإرادة الشعبية.
فقد مثّل فوز الرئيس مرسي انتصارًا لشركاء الثورة في مواجهة المجلس العسكري، والدولة العميقة، التي حاربت ثورة يناير بكل ما أوتيت من قوة، وعملت على إجهاض مكتسباتها، ووأد أهدافها وأحلامها المشروعة.
عراقيل وافتعال للأزمات
لم يكن أمام المجلس العسكري وشركاؤه سوى وضع كافة العراقيل في سبيل إفشال أول تجربة ديمقراطية تشهدها مصر، فعمد إلى افتعال الأزمات من أجل إشعال غضب الشارع، والعمل على زيادة حالة الاحتقان والكراهية من كل ما له علاقة بالثورة.
والدليل على ذلك أن أزمات مثل انقطاع الكهرباء، وشح الوقود، انتهت بشكل مفاجئ عقب الانقلاب على الرئيس المنتخب، وهو ما يبرهن على أن هكذا أزمات كانت مفتعلة، وتقف وراءها جهات إدراكًا أن مصالحها في إجهاض التجربة الديمقراطية وودأها في مهدها.
زج بالرئيس إلى السجن، وهو الذي لم يرتكب جرمًا، ولم يتورط في فساد، ولم يدن بالعمالة، كما أرادوا تشويه صورته عبر توجيه اتهامات ملفقة لم يصدقها عاقل، وعندما فشلت أهدافهم قتلوه بدم بارد، بعد أن تركوه عرضة للإهمال الطبي.
وفاته أثناء محاكمته
توفي الرئيس مرسي في 17 يونيو بعد سقوطه مغشيًا عليه في محكمة بالقاهرة، حيث كان يواجه سلسلة من الاتهامات الملفقة بالتجسس، ومُنعت عائلته من الاطلاع على التقرير الطبي المتعلق بوفاته، مما أثار التساؤلات حول ملابسات انهياره.
وقال روبرت كولفيل، المتحدث باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان آنذاك: "يجب أن يتبع أي وفاة مفاجئة أثناء الاحتجاز تحقيق فوري ونزيه وشامل وشفاف تجريه جهة مستقلة لتوضيح سبب الوفاة". وأضاف أن التحقيق يجب أن "يشمل جميع جوانب معاملة السلطات للسيد مرسي لفحص ما إذا كانت ظروف احتجازه قد أثرت على وفاته".
وقالت سارة ليا ويتسون، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة "هيومن رايتس ووتش: "جاءت وفاة الرئيس السابق مرسي بعد سنوات من سوء معاملة الحكومة له، وحبسه الانفرادي المطوّل، وعدم كفاية الرعاية الطبية، وحرمانه من زيارات عائلته ومن حقه في التواصل مع محاميه". وأضافت: "على أقل تقدير، ارتكبت الحكومة المصرية انتهاكات جسيمة بحق مرسي بحرمانه من حقوق السجناء التي تفي بالحد الأدنى من المعايير".
وصرّح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان آنذاك بأنه لا يعتقد أن مرسي مات لأسباب طبيعية، بل قُتل. وقال: "كان مرسي يتخبط على أرضية قاعة المحكمة لمدة عشرين دقيقة. وللأسف، لم تتدخل السلطات لإنقاذه. لقد قُتل مرسي، ولم يمت لأسباب طبيعية".
وبحسب التقارير، بقي مرسي فاقدًا للوعي لبعض الوقت، إلى أن أخلى الحراس الملعب واستدعوا سيارة إسعاف وصلت بعد 30 دقيقة.
حرمانه من الدواء
وكان الرئيس مرسي مصابًا بالسكري. وقد اشتكى مرارًا وتكرارًا إلى المحكمة من عدم حصوله على الدواء، وأعرب عن خشيته على حياته. وقد سمحت له المحكمة بشراء الأنسولين بنفسه عام 2017، لكن عائلته قالت إن مسؤولي السجن لم يلتزموا بالقرار. وقد فقد بصره تدريجيًا في عينه اليسرى.
وكثيرًا ما كان يصرح خلال جلسات الاستماع بوجود "تهديد لحياته"، وكان محاميه وسجناء آخرون ينقلون هذه الرسالة. وفي جلسة استماع عُقدت في 7 مايو 2019، وهي الأخيرة قبل وفاته، أبلغ المحكمة بوجود تهديد مجهول لحياته، وطلب التحدث إلى القضاة على انفراد.
وفي مارس 2018، اتهم النائب كريسبين بلانت، الرئيس السابق للجنة الشؤون الخارجية في البرلمان البريطاني، حكومة الانقلاب بانتهاك المعايير والضمانات الدولية لحماية السجناء السياسيين، وتوقع وفاة مرسي نتيجة نقص الرعاية الطبية.
احتجازه داخل سجن انفرادي
ونشرت لجنة مراجعة الاحتجاز، برئاسة بلانت، تقريرًا عن معاملة مرسي أثناء احتجازه. وخلص بلانت، من بين انتهاكات أخرى، إلى أن مرسي كان يُحتجز لمدة 23 ساعة يوميًا في الحبس الانفرادي في زنزانة خرسانية خالية من الأثاث. وبعد وفاته، قال بلانت إنه ينبغي التحقيق في ملابسات الحادث، داعيًا إلى إجراء تحقيق دولي مستقل ذي سمعة طيبة.
وكان الرئيس مرسي مسجونًا في سجن "العقرب" سيئ السمعة ذي الحراسة المشددة في طرة، وقد أخبر أفراد أسرته بأنه لا يوجد سرير في زنزانته، وأنه اضطر للنوم على الأرضية الخرسانية، مما أدى لاحقاً إلى إصابته بآلام في الظهر والرقبة.
وتقول منظمة هيومن رايتس ووتش إن الرئيس مرسي "تجنب وجبات السجن لفترات لأنه كان يخشى على حياته، واعتمد فقط على الأطعمة المعلبة. ولم يأمر القضاة الذين ينظرون في القضايا المختلفة المرفوعة ضده بالتحقيق في ظروف احتجازه. وحتى عندما أمروا مسؤولي السجن بالسماح له بالزيارات، تجاهل مسؤولو الأمن أوامر القضاة".

