كشفت شهادات سياسية وحقوقية، خلال الذكرى 7 لوفاة الرئيس الشهيد الدكتور محمد مرسي، عن إعادة فتح ملف ليلة الانقلاب والمحاكمة المسيسة، بما يفضح تبعية القضاء للعسكر ونتائج الانقلاب على أول رئيس مدني منتخب.

 

وبالتالي، لا تبدو الذكرى حدثا عابرا في ذاكرة المعارضة، بل نافذة على جريمة سياسية ممتدة، بدأت بإسقاط إرادة انتخابية، ثم اكتملت بمحاكمة ظالمة واحتجاز قاس انتهى بوفاة داخل قاعة المحكمة.

 

كواليس ليلة الانقلاب على الرئيس المنتخب

 

في البداية، تكشف زاوية التقرير أن ليلة الانقلاب لم تكن مجرد خلاف سياسي انتهى بإجراء استثنائي، بل لحظة رتبتها مراكز قوة عسكرية وأمنية وإعلامية لإزاحة رئيس جاء عبر الصندوق وقطع الطريق على التجربة المدنية.

 

ومن ثم، تحولت الدولة في تلك الليلة إلى أداة لإلغاء الاختيار الشعبي، بعدما جرى تعطيل الدستور، واحتجاز الرئيس المنتخب، وفرض واقع جديد بقوة السلاح، بينما تولت المنابر الإعلامية تبرير ما لا يبرر.

 

كما أن أخطر ما جرى في الكواليس لم يكن بيان العزل وحده، بل تحويل الجيش من مؤسسة يفترض أن تحمي الدولة إلى سلطة تقرر من يحكم ومن يعزل ومن يحاكم ومن يصمت.

 

لذلك، بدا الانقلاب رسالة قاسية للمجتمع كله، لا للرئيس مرسي وحده، مفادها أن صندوق الانتخابات مسموح به فقط ما دام لا يهدد نفوذ العسكر، ولا يفتح باب المحاسبة على السلطة الحقيقية.

 

وبناء على ذلك، قالت الباحثة ميشيل دن إن ما جرى في مصر يوم 3 يوليو كان تدخلا عسكريا حاسما أنهى مسارا سياسيا مأزوما، وأعاد الجيش إلى مركز القرار فوق القوى المدنية المتنازعة.

 

المحاكمة التي حولت القضاء إلى منصة انتقام

 

لاحقا، انتقلت المعركة من القصر إلى القفص، حيث ظهر مرسي في محاكمات مثقلة بالرمزية السياسية، داخل إجراءات بدت معدة لإدانة تجربة كاملة، لا لمحاكمة وقائع محددة وفق ضمانات العدالة والعلنية والدفاع.

 

غير أن القفص الزجاجي، والعزل المتكرر، وصعوبة التواصل مع الدفاع، وتحويل الجلسات إلى مشهد أمني، كلها عناصر كشفت أن القضاء لم يكن يقف على مسافة واحدة من السلطة والخصم السياسي.

 

علاوة على ذلك، استخدمت السلطة الاتهامات الكبرى لتجريد مرسي من صفته كرئيس منتخب، ثم تقديمه للرأي العام كخطر أمني، في محاولة لدفن أصل القضية: انقلاب عسكري على اختيار شعبي واضح.

 

وفي هذا السياق، يوضح الباحث ناثان براون أن علاقة القضاء المصري بالسلطة التنفيذية ظلت محكومة بتوازنات معقدة، تجعل استقلاله عرضة للضغط السياسي، خصوصا عندما تكون القضية مرتبطة بمستقبل النظام نفسه.

 

لذلك، تصبح محاكمة مرسي نموذجا صارخا لاستخدام القانون كغطاء للانتقام، حيث جرى تطويع قاعة المحكمة لتصفية أثر ثورة يناير، وإرسال تحذير لكل من يظن أن الشرعية تحمي صاحبها.

 

ومن زاوية إنسانية، لم تكن القضية مجرد نصوص اتهام وأحكام، بل سنوات من العزل والإنهاك الصحي والنفسي، مع قيود على الزيارة والرعاية، بما جعل الاحتجاز نفسه جزءا من العقوبة السياسية.

 

وفاة داخل القفص لا تنفصل عن سنوات الاحتجاز

 

ثم جاءت وفاة مرسي في 17 يونيو 2019 داخل إحدى جلسات محاكمته، لتغلق المشهد بصورة دامغة: رئيس منتخب يسقط أمام منصة قضائية، بعد سنوات من العزل والحرمان من الرعاية الكافية والاحتجاز القاسي.

 

ومع ذلك، حاولت الرواية الرسمية فصل الوفاة عن مسارها الطويل، كأن الجسد المنهك سقط فجأة بلا مقدمات، بينما تشير شهادات حقوقية إلى أن الإهمال الطبي والحرمان والعزل شكلت طريقا واضحا إلى النهاية.

 

كما قالت الحقوقية سارة ليا ويتسن إن وفاة مرسي لا يمكن عزلها عن ظروف سجنه، معتبرة أن ما تعرض له من حرمان من العلاج والمعاملة القاسية يستدعي مساءلة مستقلة لا بيانات تبرئة جاهزة.

 

ولزيادة وضوح الصورة، فإن موت الرئيس مرسي داخل المحكمة لم يكن حادثا إداريا باردا، بل نتيجة سياسية لمنظومة تعاملت مع خصمها المنتخب كغنيمة مهزومة، لا كمواطن له حقوق دستورية وإنسانية ثابتة.

 

وعليه، يطرح التقرير سؤالا جوهريا: كيف يمكن لقضاء يفترض أن يحمي الحق في الحياة والدفاع العادل أن يصبح شاهدا صامتا على تدهور رئيس سابق حتى يسقط داخل القاعة.

 

شهادة الخبراء ومعنى الذاكرة السياسية

 

في المقابل، أكد الرئيس التونسي الأسبق منصف المرزوقي أن تذكر مرسي واجب أخلاقي وسياسي، مشددا على أن ما جرى لأول رئيس مدني منتخب لن ينسى، ولن يغفره التاريخ لمن صنعوه وغطوا عليه.

 

كما ربط المرزوقي بين محنة مرسي وموقفه من القضية الفلسطينية، معتبرا أن الرئيس الراحل امتلك موقفا واضحا من حصار القطاع والعدوان عليه، وأن استدعاء ذكراه يعني استدعاء معنى المسؤولية العربية الغائبة.

 

غير أن القيمة الأعمق في شهادة المرزوقي ليست الرثاء، بل تأكيد أن مرسي مثل مشروعا سياسيا أراد مصالحة الديمقراطية مع المرجعية الإسلامية، والانتقال من دولة الرعايا إلى دولة المواطنين.

 

ومن ثم، تتقاطع شهادة المرزوقي مع تحذيرات ميشيل دن من عودة الجيش إلى قلب السلطة، ومع قراءة ناثان براون لطبيعة القضاء، ومع موقف سارة ليا ويتسن من مسؤولية الدولة عن ظروف الاحتجاز.

 

لذلك، لا تقف آراء الخبراء عند تحليل منفصل، بل ترسم خريطة واحدة: انقلاب عسكري أوقف السياسة، وقضاء فقد استقلاله في لحظة حاسمة، واحتجاز قاس حول الخصومة إلى عقوبة ممتدة حتى الموت.

 

ختاما، تعيد ذكرى وفاة الرئيس مرسي فتح ملف ليلة الانقلاب والمحكمة والزنزانة، لا باعتبارها صفحات من الماضي، بل كدليل على أن الدولة العسكرية حين تستولي على الحكم تبتلع السياسة والقضاء والإنسان معا.

 

وبالتالي، فإن الوفاء الحقيقي لهذه الذكرى لا يكون بتذكر الرئيس وحده، بل بكشف الكواليس، وفضح المحاكمة الظالمة، ورفض تزييف القضاء، وتأكيد أن الشرعية لا تموت بسقوط صاحبها داخل قفص العسكر.