د. عصام تليمة

من علماء الأزهر، حاصل على الدكتوراه في الفقه المقارن

 

في عام 1995م، كانت السلطة المصرية تسعى بكل جهدها لخنق الصحافة المصرية، بإصدار قانون 93، والذي اشتهر بين الإعلاميين والصحفيين، بأنه قانون ذبح حرية الصحافة، حيث كانت الصحافة المصرية تتمتع آنذاك بهامش كبير من الحرية، وهو ما كان يشهد به القاصي والداني، حيث كان ملحوظا أن مصر في عهد مبارك، كانت تتمتع بمساحة ليست قليلة من حرية التعبير، صحيح أن سقفها لم يكن عاليا، لكنه كان مقبولا، ويحاول الجميع البناء عليه، وتحاول السلطة تقليله وحصره.

 

وكان العمل النقابي آنذاك على أشده، وكانت كلمة التيارات السياسية تجتمع على حرية الصحافة، وحرية العمل النقابي، بعد تجارب مريرة مع السلطة بإلغاء انتخابات نقابات، بل فرض الحراسة عليها، فقد كانت النقابات المصرية ذات صوت وأداء عال جدا، وكانت قضايا مصر والأمة العربية والإسلامية حاضرة بقوة، وكان تجاوب الشعب المصري بكافة شرائحه كبيرا، إذ كان يرى فيها الأمل في إنهاء حالة الاستبداد التي سيطرت على المجال العام المصري.

 

أما قانون الصحافة، فقد تم الوقوف له بكل قوة، وتكاتفت كلمة الصحفيين آنذاك، على الحيلولة دون صدور هذا القانون، فاجتمعت كلمة مجلس نقابة الصحفيين على ذلك، والتفت حوله الجماعة الصحفية المصرية، وكان العالم العربي يترقب هذا الحراك الناعم بين السلطة والصحافة، ورغم أن النقيب في هذه المراحل كان من المقربين من السلطة، لكنه كان يوازن قدر استطاعته بين الحفاظ على المهنة، وعدم إغضاب السلطة.

 

هذه الخلفية التاريخية القريبة، مهمة لما سنطرحه الآن. فقد فكر مجلس نقابة الصحفيين الحالي، والذي جاءت الجمعية العمومية الصحفية لمرتين على التوالي بنقيب لا يمثل السلطة، بل أسقطوا مرشح السلطة مرتين، هذا المجلس رأى أن المجلس الذي قاد معركة تحرير المهنة من هذا القانون الجائر، لا بد من تكريمه، وإن مر على موقفه ما يزيد عن ثلاثين عاما، ولأن المجلس كان فيه ممثلين لجل التيارات السياسية المصرية آنذاك، من اليساري لليبرالي للسلطة، للإخوان، فتم التكريم دون النظر للتوجه، أو لموقف السلطة من المكرمين.

 

بين المكرمين الأستاذ صلاح عبد المقصود، عضو مجلس النقابة، ووزير الإعلام السابق، والمعروف بتوجهه الإخواني، والذي لا ينكره ولا يتنكر له، ولأن هناك شخصيات صحفية ليس لها من باب ترتزق منه سوى الحديث عن الإخوان، والتحريض عليهم، فراح بعض هؤلاء يثيرون ضجة وزبعة ضد تكريم صلاح عبد المقصود، بدعوى أنه إخوان، وإرهابي، وهي تهم في نظرهم تمنع تكريمه، ولو كان صاحب فضل من قبل.

 

دافع الصحفيون عن تاريخ عبد المقصود المهني، والذي يشهد له القاصي والداني، بجهود غير مسبوقة، كانت من نصيبه، حيث إن من جهوده التي لا تنكر، (مشروع علاج الصحفيين وأسرهم)، ومشروع (صندوق تكافل الصحفيين)، وقد شهدت تحركات منه لشخصيات صحفية منسية، ذات تاريخ، كان يسعى لدى أهل الخير والعطاء لسد حاجتهم، وهو جهد لم يكن لنذكره، ولا يحب صلاح عبد المقصود أن يذكره أحد، لكن الموقف لا يحتمل الصمت عن شخصيات تنكر فضل الرجل وعطاءه.

 

والأعجب أن أحد الصحفيين وهو محمد الباز، قاد حملة ضد تكريم الوزير السابق، رغم أنه تكريم بغير حضور، أي أنه تكريم شكلي، أو معنوي، لكنه يدل على أصالة من فكروا في ذلك، الباز رافض لتكريم عبد المقصود، وقد راح يبحث عما يشين صلاح عبد المقصود فلم يجد سوى عبارة تم توظيفها بنوايا سيئة، حين كان في لقاء إعلامي مع مذيعة لبنانية، وسألته عن إنجازات للوزارة وقت أن كان وزيرا، فقال لها: ابقي تعالي وانا أقولك، وهي عبارة تقال في السياق العام من المسؤولين من باب الرد المناسب.

 

لكن بعض أصحاب التفكير ـ على حسب التعبير المصري ـ أخذوا الجملة على محمل سيء، أنها تحرش بالمذيعة، وهو كلام فارغ يدل على عقول فارغة عن الفهم، وقلوب فارغة من الفضيلة، إذ المتحرش لا يتحرش علنا، ولو كان الشخص كذلك، فكان يمكنه فعل ذلك بعيدا عن التسجيل والهواء، وقد قامت المذيعة نفسها بالرد على من هاجموا الوزير، وقالت: لم أفهم أي معنى سيء، ولا قصد الوزير ذلك، وهي كلمة إعلامية عادية.

 

العجيب أن من يستحضر هذه الكلمة لصلاح عبد المقصود، هو محمد الباز، الذي ملأت وسائل التواصل الاجتماعي تسريبات له، يعف القلم عن ذكر ما دار فيها، وهو يباهي بارتكاب المحرمات، بل يبرر ذلك، بأن فلان الصحفي عنده جدول يومي بهذه المحرمات، فلماذا اللوم علي؟! تخيلوا أن هذه الشخصية هي التي تبرر موقفها من رفض تكريم عبد المقصود، وصدق المسيح عليه السلام حين قال عن أمثاله: يرى القذى في أعين الناس، ولا يرى الخشبة في عينه!!

 

أذناب السلطة في كل زمان ومكان، حاولوا طمس جهود الذين اختلفوا مع السلطة، ولكن الحقيقة كانت أبقى، ولذا سيظل جهد صلاح عبد المقصود في النقابة باقيا، ومحفورا في ذاكرة الصحافة، وقد مورست من قبل مثل هذه الحملات مع شخصيات معاصرة ولم تفلح، فقد ظل اسم حسن البنا فترة لا يجرؤ أحد على ذكره، حتى كتب الدكتور محمد رجب البيومي رحمه الله بأن هناك أشخاصا يقبلون أن يصابوا بالبرص والجذام ولا يذكر حسن البنا بخير، ومع ذلك طاف اسم البنا العالم كله.

 

وفي عالم الصحافة، هناك شخصيات سعت السلطة لتشويهها، وطمس تاريخها، بل منهم من سجن سنوات طويلة، واتهم بالخيانة، منهم الأستاذ مصطفى أمين، ومع ذلك خرج مصطفى أمين، وعاد للصحافة كما كان وزيادة، وملأ الدنيا كتابة وصحافة، ولا يزال حتى اليوم تحت عنوان جريدة أخبار اليوم، يكتب: أسسها: علي ومصطفى أمين. الذي امتلأت صحف مصر لسنوات، بالحديث عن خيانته وعمالته للأمريكان ضد مصر، فهل صمدت هذه الدعاية أم انتهت، وبقي مصطفى أمين؟!

 

وربما اختلف البعض مع شخصية مصطفى أمين، فهناك شخصية لا يختلف عليها عاقل، وهو اللواء محمد نجيب، أول رئيس لمصر بعد إنهاء الملكية، وظل محاصرا في بيته لسنوات، بعد خلافه مع عبد الناصر، وكنا ندرس في كتب التاريخ المدرسي: قامت ثورة يوليو وحكم جمال عبد الناصر، يلغون عامين من تاريخ مصر، ورئيسا من رؤسائها، ودارت الأيام، ومات عبد الناصر وخرج نجيب في عهد السادات، ثم بعد ذلك دون التاريخ وعاد اسم نجيب في الكتب والميادين العامة.

 

لن يضر صلاح عبد المقصود ما يشنه الباز وأمثاله من حملات عليه، فيوم من تاريخ صلاح في النقابة، بتاريخ الباز الصحفي كله، وما يطمع فيه عبد المقصود هو أن يتقبل الله عمله، سواء كرمه مجلس النقابة أم لم يكرمه، وتكريمهم موقف بطولي شجاع، ينم عن وفاء ورجولة، تليق بنقيب للصحفيين، ومجلس نقابة، وهو ما يغيظ الباز وأمثاله، فهم يتمنون أن يتساوى هؤلاء معهم في نكران الجميل، والطعن في الظهر، ولا يستويان.