أعاد إعلان الولايات المتحدة واليونان وقبرص وإسرائيل تأسيس "مركز شرق البحر المتوسط للطاقة" فتح باب التساؤلات حول مستقبل التوازنات الإقليمية في ملف الغاز، ولا سيما بعد غياب مصر عن هذا التكتل الجديد رغم أنها كانت أحد أبرز اللاعبين في معادلة الطاقة بشرق المتوسط خلال العقد الماضي.

 

وجاء الإعلان في وقت كانت القاهرة تعد نفسها محورًا رئيسيًا لتجارة الغاز الإقليمية، مستفيدة من موقعها الجغرافي وبنيتها التحتية المتطورة، إضافة إلى امتلاكها محطتي إسالة الغاز في إدكو ودمياط، اللتين مثلتا لسنوات نقطة ارتكاز لتصدير الغاز إلى الأسواق الأوروبية.

 

ويكتسب هذا التحالف أهمية خاصة لأنه لا يقتصر على التعاون الاقتصادي، بل يمتد إلى قضايا أمن الطاقة وتطوير البنية التحتية للغاز الطبيعي، وسط متغيرات جيوسياسية متسارعة تشهدها المنطقة منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية وتزايد المخاوف العالمية بشأن أمن الإمدادات.

 

تغير الأولويات أم تراجع الدور المصري؟

 

ويرى خبراء في شؤون الطاقة أن استبعاد مصر لا يعني بالضرورة خروجها من معادلة الغاز الإقليمية، لكنه يعكس تغيرًا واضحًا في أولويات الدول الفاعلة بشرق المتوسط.

 

ويؤكد الخبير في شؤون الطاقة الدكتور محمد فؤاد أن هناك فارقًا بين منتدى غاز شرق المتوسط الذي كانت مصر من مؤسسيه، وبين الأطر الجديدة ذات الأبعاد السياسية والأمنية والاستراتيجية. ويشير إلى أن استبعاد دولة من تحالف محدد لا يعني بالضرورة تهميشها بالكامل في قطاع الطاقة الإقليمي.

 

ويضيف أن القاهرة لم تخطئ عندما بنت تحالفاتها السابقة مع اليونان وقبرص وإسرائيل، إذ كانت وقتها تمتلك فائضًا من الغاز وتحقق الاكتفاء الذاتي، فضلًا عن امتلاكها بنية تحتية متقدمة جعلتها الخيار الأكثر منطقية لمعالجة وتصدير الغاز.

 

لكن المعادلة تغيرت خلال السنوات الأخيرة مع تراجع الإنتاج المحلي وارتفاع معدلات الاستهلاك الداخلي، الأمر الذي قلص من قدرة مصر على لعب الدور نفسه الذي كانت تؤديه سابقًا، وفتح المجال أمام بدائل ومسارات جديدة لنقل الغاز إلى أوروبا.

 

ويؤكد مراقبون أن الرسالة الأهم التي يحملها التحالف الجديد تتمثل في أن النفوذ في أسواق الطاقة لا يعتمد فقط على الموقع الجغرافي أو العلاقات السياسية، بل يرتبط بشكل مباشر بالقدرة الإنتاجية وحجم الفوائض القابلة للتصدير.

 

صراع على مركز الطاقة الإقليمي

 

في المقابل، يرى عدد من المحللين أن جوهر الخلاف يتعلق بالتنافس على لقب "المركز الإقليمي للطاقة" في شرق المتوسط.

 

فخلال السنوات الماضية راهنت القاهرة على استقبال الغاز المستخرج من الحقول الإسرائيلية والقبرصية، ثم إسالته في منشآتها وإعادة تصديره إلى أوروبا، وهو ما منحها موقعًا محوريًا داخل شبكة الطاقة الإقليمية.

 

إلا أن التحالف الجديد يبدو أقرب إلى دعم مشروعات خطوط الأنابيب المباشرة التي تربط حقول الغاز في إسرائيل وقبرص باليونان ثم أوروبا، متجاوزةً الدور المصري التقليدي كمركز للتسييل والتصدير.

 

ويرى خبراء أن هذا التحول يعكس تضاربًا متزايدًا في المصالح بين الأطراف المعنية، إذ تسعى كل دولة إلى تعزيز مكاسبها الاقتصادية والاستراتيجية في ظل ارتفاع أهمية الغاز كمصدر للطاقة بالنسبة للأسواق الأوروبية.

 

كما يعتقد بعض المراقبين أن الموقف الأمريكي شهد تحولًا ملحوظًا خلال الفترة الأخيرة، مع ازدياد الاهتمام بإنشاء مسارات مباشرة لتوريد الغاز إلى أوروبا وتقليل الاعتماد على الحلول التقليدية التي كانت تعتمد على محطات الإسالة المصرية.

 

هل يقود الاستبعاد إلى تقارب مصري تركي؟

 

أعاد التحالف الجديد أيضًا إحياء النقاش بشأن فرص التقارب بين مصر وتركيا في ملفات الطاقة وترسيم الحدود البحرية بشرق المتوسط.

 

فتركيا، مثل مصر، ليست جزءًا من الترتيبات الجديدة، وهو ما يدفع بعض المحللين إلى الاعتقاد بأن مصالح البلدين قد تتقاطع بصورة أكبر خلال المرحلة المقبلة.

 

وتشهد العلاقات المصرية التركية بالفعل تطورًا ملحوظًا خلال العامين الأخيرين على المستويات الاقتصادية والعسكرية والسياسية، بعد سنوات طويلة من التوتر. كما ارتفع حجم التبادل التجاري والاستثمارات المتبادلة، إلى جانب استئناف التدريبات العسكرية المشتركة وتفعيل آليات التعاون الاستراتيجي بين البلدين.

 

غير أن خبراء آخرين يرون أن التحول نحو شراكة كاملة في ملف غاز شرق المتوسط لا يزال يواجه تحديات معقدة، تتعلق بملفات ترسيم الحدود البحرية والتوازنات الإقليمية القائمة، فضلًا عن ارتباط بعض الترتيبات الحالية بمصالح دولية واسعة النطاق.

 

ومع ذلك، فإن استبعاد مصر من التحالف الجديد قد يدفع القاهرة إلى إعادة تقييم خياراتها وتحالفاتها في المنطقة، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية.

 

وفي المحصلة، لا يبدو أن ما حدث يمثل نهاية للدور المصري في شرق المتوسط، لكنه يعكس بوضوح أن خريطة الطاقة الإقليمية تدخل مرحلة جديدة من إعادة التشكل. وبينما تحاول الدول إعادة تموضعها وفق المصالح الاقتصادية والأمنية المستجدة، تجد القاهرة نفسها أمام اختبار مهم للحفاظ على موقعها في واحدة من أكثر المناطق حساسية واستراتيجية في العالم، وسط منافسة متزايدة على النفوذ وممرات الطاقة وأسواق التصدير.