كشفت جلسة مجلس النواب المصري عن مواجهة حادة مع الحكومة بعد طرح قرض تجاري جديد بقيمة 3.9 مليار يورو لتمويل الخطين الثاني والثالث من شبكة القطار الكهربائي السريع، بينما أظهرت مناقشات الموازنة وصول مديونيات الهيئة القومية للأنفاق إلى نحو 2 تريليون جنيه.
وتضع هذه الأرقام سياسة النقل الحالية داخل أزمة سياسية واجتماعية أوسع، لأن الحكومة تطلب قرضا جديدا بالعملة الصعبة في وقت تتحمل فيه الخزانة ضغوطا متصاعدة، ويواجه المواطن نقصا واضحا في المدارس والمستشفيات والخدمات الأساسية التي لا تجد نفس الحماس الرسمي في التمويل.
هيئة الأنفاق بين خسائر التشغيل وفوائد الديون
في البداية، ركز النواب المعترضون على الفجوة الصارخة داخل موازنة الهيئة القومية للأنفاق، حيث بلغت المصروفات الجارية نحو 74 مليار جنيه، بينما لم تتجاوز الإيرادات 8.8 مليار جنيه، وهو فارق يكشف أن الهيئة لا تنتج موردا كافيا لتبرير توسعها المستمر في الاقتراض.
وبحسب الأرقام المعروضة داخل المجلس، تقترب الخسائر السنوية من 63 مليار جنيه، وتذهب النسبة الأكبر منها إلى خدمة فوائد الديون، ما يجعل الهيئة كيانا مثقلا بالتزامات مالية تتراكم أسرع من قدرته على توليد إيرادات حقيقية من التشغيل أو الخدمات المقدمة للمواطنين.
لذلك، جاء اعتراض النائب محمود سامي بصفته تحذيرا مباشرا من استمرار التعامل مع الهيئة كهيئة اقتصادية قادرة على السداد الذاتي، إذ طالب بإعادة هيكلتها فورا وتحويلها إلى هيئة خدمية، لأن وضعها الحالي يضع الديون فوق القدرة الفعلية على التحمل.
وتدعم قراءة الباحثة الاقتصادية سلمى حسين هذا المحور، إذ تربط في دراساتها عن الدين الخارجي بين التوسع في القروض وضعف الشفافية والمساءلة، وتعتبر أن غياب الرقابة العامة على أولويات الاقتراض يحول القرض من أداة تنمية إلى عبء طويل الأجل يدفع ثمنه المجتمع.
قرض جديد بعمولة ضمان تفتح سؤال السداد
بعد ذلك، انتقلت المواجهة إلى تفاصيل اتفاقية القرض التجاري الجديد، إذ اعترض نواب على بند يقتطع 15% كعمولة ضمان، بما يعادل نحو 600 مليون يورو، وهو رقم ضخم يستبعد من التنفيذ المباشر رغم أن الحكومة تقترضه باسم الدولة وتضيفه إلى جدول الالتزامات.
كما أثار هذا البند غضبا واسعا داخل الجلسة، لأن المواطن لن يرى أثرا خدميا مباشرا لهذا الجزء من القرض، بينما ستظل الدولة مطالبة بسداد أصل التمويل وفوائده، وهو ما يعمق الشكوك حول كفاءة التفاوض الحكومي وحول أولوية المشروع نفسه في هذه اللحظة المالية الحرجة.
في المقابل، حاولت الحكومة احتواء الاعتراضات عبر التأكيد أن سداد الأقساط والفوائد سيتم من الموارد الذاتية لهيئة الأنفاق، لا من الخزانة العامة، لكن هذا الرد زاد حدة السؤال بدلا من إغلاقه، لأن موازنة الهيئة نفسها تكشف عجزا جاريا وفجوة ضخمة بين الإيرادات والمصروفات.
ومن هذه الزاوية، تخدم أطروحات الباحث الاقتصادي عمرو عادلي فهم الأزمة، إذ يربط بين تضخم الديون وتراجع قدرة الدولة على تخصيص الموارد للإنفاق الاجتماعي، وهو ما يجعل قرض القطار السريع جزءا من نموذج أوسع يحاصر الموازنة داخل خدمة الدين.
النقل يلتهم الأولويات الاجتماعية تحت غطاء التنمية
في السياق نفسه، لم يقف الجدل عند حدود أرقام هيئة الأنفاق، بل امتد إلى مقارنة مباشرة بين الإنفاق على مشروعات النقل وبين قطاعات الصحة والتعليم، حيث حذر نواب من أن القروض الدولية والموازنة الاستثمارية تذهبان إلى مشروعات ضخمة بينما تعجز الدولة عن الوفاء بنسب الإنفاق الدستورية.
ومن ثم، تحولت جلسة القرض إلى محاكمة سياسية لأولويات الحكومة، لأن بناء قطار سريع بمليارات اليورو لا يمكن فصله عن مدارس مكتظة ومستشفيات حكومية ناقصة المستلزمات، ولا عن أسر تتحمل تكلفة التعليم والعلاج من جيوبها بعد تراجع قدرة الخدمة العامة على الحماية.
في هذا الموضع، تبدو مداخلات وائل جمال عن سياسات الدين العام وأثرها على الإفقار مناسبة لفهم البعد الاجتماعي للقضية، لأن المشكلة لا تتعلق فقط بحجم القرض، بل بمن يدفع الفاتورة عندما تتحول فوائد الديون إلى منافس مباشر للإنفاق على الناس.
وعلى الرغم من ذلك، تمسك ممثلو الحكومة ورئيس لجنة النقل والمواصلات بخطاب يعتبر القطار الكهربائي السريع مشروعا تنمويا لا ترفيهيا، وقالوا إنه يربط الموانئ المصرية ويخدم التجارة والصناعة، لكنهم لم يقدموا للمعترضين كشفا مفصلا يثبت توقيت العائد وحجمه ومصدر السداد.
وبالتزامن مع هذه الردود، طالب نواب باستدعاء رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي لتقديم كشف حساب واضح حول جدوى المشروعات الكبرى وعوائدها المباشرة، بعدما بدا أن هيئة الأنفاق تتحرك بقوة اقتراض تتجاوز ميزانيات وزارات خدمية كاملة وتعيد ترتيب الأولويات بعيدا عن المواطن.
غير أن جوهر الأزمة لا يقف عند قرض واحد أو مشروع واحد، بل عند نموذج كامل يوسع الإنفاق على البنية المثقلة بالديون، ثم يطلب من البرلمان تمرير الالتزامات تحت عنوان التنمية، بينما تكشف الأرقام أن الموارد الذاتية لا تكفي وأن المخاطر تنتقل إلى الموازنة العامة عاجلا أو آجلا.
وفي النهاية، أظهرت الجلسة أن الحكومة لم تعد تواجه انتقادات سياسية مجردة، بل تواجه أرقاما صلبة من داخل موازنتها نفسها، فمديونية تقارب 2 تريليون جنيه وقرض جديد بقيمة 3.9 مليار يورو وعمولة ضمان ضخمة ليست تفاصيل فنية، بل فاتورة حكم يدير التنمية بالدين.

