طالبت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، المستشار وجدي عبد المنعم رئيس الدائرة الثانية جنايات بدر، بإخلاء سبيل الطالب محمد وليد عبد المنعم، البالغ 21 عامًا، قبل نظر أولى جلسات محاكمته في القضية 2806 لسنة 2024 حصر أمن الدولة، حفاظًا على حياته بعد أكثر من عامين في الحبس الاحتياطي.
وجاء مطلب المبادرة ليكشف مأساة شاب من ذوي الإعاقة، دخل السجن وهو في 19 من عمره، ثم وجد نفسه متهمًا بتأسيس وقيادة جماعة إرهابية، بينما تقول أسرته وحقوقيون إن قصته بدأت من منشورات تضامن مع غزة، وانتهت داخل مركز احتجاز غير مهيأ لحالته الجسدية والنفسية.
شاب مريض داخل مكان لا يحتمل الأصحاء
يعاني محمد وليد من تقزم شديد مصحوب بخلل في الهيكل العظمي، وهي حالة تجعل الحركة اليومية شاقة، وتفرض عليه احتياجًا دائمًا لمن يساعده في المشي وقضاء حاجته، بما يجعل وجوده داخل السجن خطرًا مستمرًا لا إجراءً احترازيًا عاديًا.
ولا تقف أزمة محمد عند الإعاقة الظاهرة، إذ يعاني انسدادًا تامًا في فتحتي الأنف، ما يجبره على التنفس عبر الفم طوال الوقت، إضافة إلى احتياجه لتدخل طبي دوري لإزالة المياه الزائدة على المخ، وهي احتياجات لا تحتمل الإهمال أو التأجيل.
كما انقطع محمد منذ القبض عليه عن متابعة طبيبه النفسي، وفقد أدويته اللازمة للتعامل مع الاكتئاب والقلق المزمنين، بينما يزيد الرهاب الاجتماعي من صعوبة وجوده في بيئة احتجاز مغلقة ومزدحمة وقاسية.
وتؤكد المبادرة المصرية أن استمرار حبس شاب بهذه الحالة داخل مركز الإصلاح والتأهيل بوادي النطرون 10 يضع حياته في خطر مباشر، لأن المكان غير معد للتعامل مع إعاقته، ولا يوفر له التيسيرات الطبية والإنسانية التي يحتاجها.
من طالب جامعي إلى متهم بقيادة جماعة
كان محمد وليد طالبًا في الفرقة الأولى بكلية الحاسبات والمعلومات في جامعة النيل عندما ألقي القبض عليه من الشارع، ولم يكن يمارس، بحسب ما ورد، أي نشاط سوى الدراسة ومتابعة أخبار الحرب على غزة والتعبير عن تعاطفه مع الفلسطينيين عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وبعد شهرين من اختفائه عن أسرته عقب القبض عليه، ظهر محمد أمام نيابة أمن الدولة العليا، لكن العائلة فوجئت بأن النيابة لم تخل سبيله باعتباره شابًا مريضًا بلا سجل خطر، بل وجهت إليه اتهامات جسيمة تتعلق بتأسيس وقيادة جماعة إرهابية.
وتضم القضية نفسها 9 متهمين، بينهم محمد وليد وشاب آخر في العمر نفسه، و7 آخرون متهمون بالانضمام إلى الجماعة المزعومة، بينهم 3 أطفال في المرحلة الإعدادية و4 شباب لا يتجاوز أكبرهم 21 عامًا.
والأخطر أن محامي محمد، حتى موعد المحاكمة، لم يتمكنوا من الاطلاع على أوراق القضية أو الأدلة أو الأحراز التي استندت إليها النيابة، بينما أكد محمد أمام النيابة أنه لا توجد أي معرفة سابقة بينه وبين بقية المتهمين.
هذه التفاصيل تجعل القضية أبعد من ملف اتهام تقليدي، لأنها تضع طالبًا مريضًا وأطفالًا وشبابًا في مواجهة اتهامات استثنائية، من دون أن تُتاح للدفاع فرصة كاملة لفحص الأوراق قبل بدء المحاكمة.
القانون حاضر على الورق وغائب داخل الزنزانة
تقول المبادرة المصرية، بصفتها عضوًا في فريق الدفاع، إن استمرار حبس محمد يخالف المادة 134 من قانون الإجراءات الجنائية، التي تجعل الحبس الاحتياطي إجراءً استثنائيًا لا يلجأ إليه إلا في حالات محددة، لا تنطبق على حالته.
ولا يظهر في حالة محمد، بحسب المبادرة، خطر هروب أو تأثير على التحقيق أو إخلال جسيم بالأمن والنظام العام، خاصة أن له محل إقامة معلومًا، وأن وضعه الصحي يجعله غير قادر أصلًا على الحياة اليومية دون مساعدة.
كما تشير المبادرة إلى أن محمد حُرم من حقه الدستوري في الرعاية الصحية، وهو الحق الذي تكفله المادة 78 من الدستور، إلى جانب مخالفة قواعد احتجاز الأشخاص ذوي الإعاقة، التي تلزم الدولة بتوفير أماكن مناسبة وتيسيرات معقولة داخل أماكن الاحتجاز.
وتستند المبادرة أيضًا إلى المادة 38 من قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، التي تلزم بتوفير كود الإتاحة داخل أماكن الاحتجاز، وتوفير الترتيبات اللازمة لنقل واحتجاز الأشخاص ذوي الإعاقة، وهو ما لم يتحقق في حالة محمد.
وتطالب المبادرة بإخلاء سبيل محمد وليد مع استمرار محاكمته وهو خارج السجن، لأن الإفراج هنا لا يعني تعطيل المحاكمة، بل إنقاذ حياة شاب يواجه خطرًا صحيًا يوميًا داخل مكان لا يتناسب مع إعاقته.
وفي ختام موقفها، دعت المبادرة إلى فتح تحقيق عاجل في أسباب استمرار حبسه رغم حالته، باعتبار تعريض صحته وحياته للخطر جريمة يعاقب عليها قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، لا مجرد خطأ إداري يمكن تجاوزه.
قضية محمد وليد لا تختبر موقف المحكمة من متهم واحد فقط، بل تختبر قدرة العدالة على رؤية إنسان مريض خلف ملف أمني ضخم، وتختبر ما إذا كان التضامن مع ضحايا غزة يمكن أن يتحول في مصر إلى طريق طويل نحو الحبس والمحاكمة.

