-يعرف السياح مصر بأنها بلد الحضارة والأهرامات، بلد المعابد العظيمة، والتاريخ الموعل في القدم لكن هذه ليست مصر، أو على الأقل هذه مصر الواجهة الظاهرة، أما مصر العمق فربما لا يعرفونها هؤلاء السياح، وكذا الطبقة المحملية التي لم تدخل إلى مصر العميقة، والحقيقة أن مصر العمق هي نتاج الحضارة التي يعرفها السائحون، والكتاب، وأصحاب الياقات البيضاء.

-مصر العمق، أو مصر الداخل، أو بالأحرى المصري الأصيل الذي كان ولا يزال فلاحا يحمل كل جينات هذه الطبقة، هي أو هو الذي بنى هذه الأهرامات، وشق الترع، وبنى الجسور، وصنع التاريخ الفلاح المصري الأصيل الذي عاش للأرض، ومن الأرض، وقنع بأقل القليل، وأسلم نقوده للفرعون مقابل المياه، وكما يقول الدكتور (جمال حمدان) أن اتفاقا غير مكتوب صار بين الفلاح المصري والسلطة مفاده (أعطني كل شيء أعطك المياه).

-هذا الفلاح البسيط نبت الأرض المصرية -أخصب أراضي العالم- ارتبط بالأرض ارتباط النبات الذي يموت في مكان مولده، وفي وقت الفيضان بنى الأهرامات عشرون عاما كاملة مرت على المصري وهو يبني الهرم الأكبر أهم عجائب الدنيا كان ذلك في وقت فراغه، وقت توقف الزراعة بسبب الفيضان.

- هذا المصري الذي عاش في قاهرة المعز ومن قبلها في القطائع، والفسطاط، والإسكندرية، وطيبة، ومنف، أو عاش في الدلتا أو الصعيد لم يتخل يوما عن الصبر الجميل طمعا في الحياة الآخرة حتى في أيام الوثنين كان ينظر للروح على أنها خالدة، وأن السعادة سوف تأتيه في العالم الآخر.  

-هذا المصري البسيط في الحارة، والمدق، في القرية، والمدينة، أو في عواصم الأقاليم يعيش وحلمه في الستر وأقل القليل، لا شك أن العولمة غيرت كثيرا من التقاليد كما فعلت بكل الشعوب لكن يبقى المصري متمسكا بالأرض حتى لو لم يملك منها شبرا واحدا.

-هذا المصري الذي يقسم الرغيف مع جاره لازال موجودا وحاضرا بقوة.. بقوة البسمة التي لم تفارق شفتيه رغم الآف السنين من القهر، والعجز، والفقر إلا سنوات قلائل.

-هذا المصري الذي رسمت السنوات العجاف الطوال على جبهته خطوطا بالعرض وربما بالطول أيضا لكن لا يزال يجود بما يملك مهما قل.

-هذا المصري الذي يقتحم خصوصيتك ليساعدك ويعرض نفسه للخطر لإنقاذك، هو المصري الذي سخر من الظلم، والقهر بالنكات، والأغاني صبر، وتصبر على قطف العيش لكن تقدم الصفوف حين سمع نداء الوطن.

-المصري الذي يعشق الحياة رغم قسوتها، وتمتع بأقصى طاقته من أبسط المتع، ينظر حوله فيرى العالم، يعيش في خيراته فيغمض عينه ويرى نعيم الآخرة دائما....... لعله ينال نعيما على قدر ...... من العذاب.