مع دخول مصر موجات الحر والرطوبة في يونيو 2026، تعود أوضاع المعتقلين داخل السجون ومقار الاحتجاز إلى واجهة القلق الحقوقي، ليس فقط بسبب ارتفاع درجات الحرارة، لكن لأن الحر داخل الزنازين المغلقة يتحول إلى عامل ضغط يومي فوق التكدس وضعف التهوية وقيود الزيارات ونقص الرعاية الطبية. وتشير توقعات الطقس الأخيرة إلى استمرار الأجواء الحارة والرطبة على القاهرة وشمال البلاد، وشديدة الحرارة على جنوب الصعيد، مع وصول درجات الحرارة في بعض مناطق الصعيد إلى نحو 43 درجة مئوية خلال أيام يونيو.


وتكتسب الأزمة خطورتها من أن منظمات حقوقية دولية لا تتحدث عن حالات فردية معزولة، بل عن نمط مستمر من ظروف احتجاز قاسية. فقد قالت هيومن رايتس ووتش في تقريرها العالمي 2026 إن آلاف المحتجزين في مصر ظلوا في ظروف قاسية، سواء في الحبس الاحتياطي المطوّل أو بعد أحكام صدرت في محاكمات وصفتها المنظمة بأنها جائرة، كما أشارت إلى الحرمان من الرعاية الصحية والحبس الانفرادي المطوّل ضمن ممارسات ترقى إلى سوء المعاملة والتعذيب.


الحر يتحول إلى عقوبة إضافية


في السجون، لا تعني موجة الحر مجرد طقس صعب، بل تعني زنزانة ضيقة، تهوية محدودة، أجساد متلاصقة، ومياه لا تكفي أحيانًا لمواجهة العطش أو النظافة. تقرير حقوقي نشرته منظمة HUMENA وصف معاناة السجناء خلال موجات الحر في مصر، مشيرًا إلى أن أزمة الكهرباء وارتفاع الحرارة يجعلان الوضع داخل أماكن الاحتجاز أكثر قسوة، خاصة مع غياب وسائل التهوية المناسبة داخل الزنازين.


وتتضاعف المعاناة حين تقترن الحرارة بالتكدس، لأن الزنزانة التي لا تتحمل عددًا كبيرًا من المحتجزين تتحول في الصيف إلى مساحة خانقة. وفي مثل هذه الظروف، يصبح النوم صعبًا، وتزداد احتمالات الإغماء والإجهاد الحراري، خصوصًا بين كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة ومن يعانون من أمراض القلب أو الضغط أو السكر.


احتجاجات داخل السجون وردود عقابية


الأزمة لا تتوقف عند الحرارة فقط، بل تمتد إلى شكاوى المعتقلين من ظروف الاحتجاز نفسها. ففي مارس 2025، قالت منظمة العفو الدولية إن السلطات المصرية عاقبت سجناء في سجن العاشر من رمضان بعد إضرابهم عن الطعام احتجاجًا على احتجازهم التعسفي والمطالبة بإنهاء ظروف وصفتها المنظمة بالقاسية واللاإنسانية.


ويكشف هذا المسار عن معادلة أكثر قسوة: حين يشتكي السجين من ظروف الاحتجاز، قد يجد نفسه أمام إجراءات عقابية بدل الاستجابة لمطالبه. وبذلك لا يصبح الصيف مجرد فصل مناخي ثقيل، بل موسمًا تتراكم فيه أدوات الضغط: الحرارة، العزل، منع أو تقييد الزيارة، نقص العلاج، وصعوبة وصول الأسر إلى ذويهم.


السجون الجديدة بين الدعاية والواقع

 

رغم الترويج الرسمي لفكرة “مراكز الإصلاح والتأهيل” باعتبارها بديلًا حديثًا للسجون القديمة، تقول تقارير حقوقية إن الصورة المعلنة لا تعكس بالضرورة واقع المحتجزين. فالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية نشرت في سبتمبر 2025 تقريرًا عن مجمع بدر، تناول الفجوة بين الخطاب الرسمي عن السجون الجديدة وما ترصده شهادات وشكاوى عن ظروف الاحتجاز.


كما نشرت المفوضية الدولية للحقوقيين في 2023 مطالبة بفتح تحقيق مستقل في مزاعم انتهاكات خطيرة بحق محتجزين داخل مجمع بدر، بما يعكس أن الأزمة لم تختفِ مع تغيير أسماء السجون أو نقل السجناء إلى منشآت جديدة.


الخطر الأكبر: المرضى وكبار السن


في الصيف، يصبح المرضى داخل السجون الفئة الأكثر هشاشة. فارتفاع الحرارة مع قلة الحركة ونقص المياه والرعاية الطبية قد يحول الأمراض المزمنة إلى تهديد مباشر للحياة. وسبق أن قالت منظمة العفو الدولية في تقرير عن أوضاع السجون المصرية إن سجناء رأي ومحتجزين لأسباب سياسية تعرضوا لظروف قاسية وحرمان متعمد من الرعاية الصحية، بما أدى أو ساهم في تدهور حالات صحية ووفيات داخل الاحتجاز.


وتشير هيومن رايتس ووتش أيضًا إلى وفاة 44 محتجزًا داخل أماكن الاحتجاز في 2025 حتى سبتمبر، وفقًا للجنة العدالة، مع تقارير عن محاولات انتحار بين سجناء سياسيين في بدر 3 بسبب التدهور الحاد في ظروف السجن.


معاناة مضاعفة


الصيف في السجون المصرية ليس أزمة طقس فقط، بل اختبار قاسٍ لملف حقوق الإنسان كله. فحين يجتمع الحر مع التكدس وضعف التهوية وغياب الرعاية الصحية وتقييد التواصل مع الأسر، يتحول الاحتجاز إلى معاناة مضاعفة، خصوصًا للمعتقلين السياسيين والمرضى وكبار السن.


والسؤال الذي تطرحه هذه الوقائع ليس عن درجة الحرارة خارج الأسوار، بل عن درجة الاختناق داخلها: كيف يعيش إنسان محبوس في زنزانة مغلقة خلال موجات حر ورطوبة، بينما صوته لا يصل إلا عبر استغاثات أسرته أو تقارير حقوقية تُقابل غالبًا بالإنكار أو التجاهل؟