أعلنت وزارة الدفاع الروسية إسقاط 177 طائرة مسيرة أوكرانية خلال الليلة الماضية فوق عدد واسع من المناطق الروسية، إضافة إلى مياه البحر الأسود وبحر آزوف، في تصعيد جديد يعكس اتساع حرب المسيرات بين موسكو وكييف.
وجاء الإعلان الروسي متزامنا مع تهديد الرئيس فلاديمير بوتين بتكثيف الضربات ضد المنشآت العسكرية الأوكرانية الحيوية، ردا على ما وصفه بالعمليات الإرهابية التي ينفذها نظام كييف داخل الأراضي الروسية.
هجوم مسيرات واسع فوق روسيا
قالت وزارة الدفاع الروسية إن أنظمة الدفاع الجوي المناوبة تمكنت من اعتراض وتدمير 177 طائرة مسيرة أوكرانية خلال ساعات الليل، بعدما استهدفت الهجمات مناطق مختلفة في العمق الروسي والمناطق الحدودية.
وشملت عمليات الاعتراض مقاطعات أستراخان وبيلغورود وبريانسك وفورونيج وفولغوغراد وكورسك ونوفغورود وروستوف وريازان وسمولينسك وتفير ومقاطعة موسكو، إلى جانب إقليم كراسنودار وجمهورية القرم.
كما أعلنت الوزارة إسقاط عدد من المسيرات فوق مياه بحري آزوف والأسود، وهو ما يكشف أن الهجوم الأوكراني لم يقتصر على مسار جغرافي واحد، بل توزع بين البر والمياه القريبة من خطوط المواجهة.
وتعكس هذه الأرقام تصاعدا واضحا في اعتماد كييف على الطائرات المسيرة بعيدة المدى، إذ أصبحت المسيرات أداة رئيسية لاستهداف العمق الروسي وإرباك الدفاعات الجوية في أكثر من منطقة في وقت واحد.
وفي المقابل، تحاول موسكو تقديم حصيلة الاعتراض باعتبارها دليلا على كفاءة دفاعاتها الجوية، لكنها في الوقت نفسه تكشف حجم الضغط المتزايد الذي تفرضه الهجمات الأوكرانية المتكررة على الجبهة الداخلية الروسية.
وتؤكد روسيا أن القوات الأوكرانية تستهدف بصورة يومية الأحياء السكنية والمنشآت المدنية الحيوية والمؤسسات الصناعية ومرافق الطاقة داخل المناطق الحدودية والعمق الروسي، باستخدام المسيرات والصواريخ.
وبذلك تنتقل الحرب تدريجيا من جبهات القتال المباشرة إلى العمقين الروسي والأوكراني، حيث يسعى كل طرف إلى ضرب البنية التي تسمح للطرف الآخر بمواصلة القتال.
بوتين يلوح برد أعنف
في سياق متصل، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن موسكو ستكثف ضرباتها ضد المنشآت العسكرية الأوكرانية الحيوية، في رد مباشر على الهجمات التي تنسبها روسيا إلى القوات الأوكرانية.
وقال بوتين إن العمليات التي تنفذها كييف ضد روسيا تمثل أعمالا إرهابية، مؤكدا أن القوات الروسية ستواصل الرد على هذه الهجمات عبر استهداف المواقع العسكرية ومراكز الصناعات الدفاعية الأوكرانية.
كما أشار الرئيس الروسي إلى استمرار التقدم الروسي على جبهات القتال، موجها رسالة حادة إلى من يتجاهلون واقع الميدان، بقوله إن عليهم ألا يحاربوا روسيا وأن يتعظوا من تجارب أسلافهم الكارثية.
وتحمل تصريحات بوتين نبرة تهديد واضحة، لأنها تربط بين الهجمات الأوكرانية بالمسيرات وبين توسيع الضربات الروسية، بما يعني أن موسكو قد تتجه إلى استهداف منشآت أكثر حساسية خلال الفترة المقبلة.
وتقول روسيا إن قواتها تنفذ ضربات ضد المنشآت العسكرية ومؤسسات الصناعات الدفاعية الأوكرانية، باستخدام أسلحة دقيقة التوجيه تطلق من الجو والبحر والبر، إضافة إلى الطائرات المسيرة.
ومن خلال هذا الخطاب، تحاول موسكو تثبيت معادلة ردع جديدة، مفادها أن كل موجة مسيرات أوكرانية ضد الداخل الروسي ستقابل بضربات أوسع على البنية العسكرية الأوكرانية.
لكن هذه المعادلة لا تنهي التصعيد، بل تفتح الباب أمام دورة جديدة من الهجمات المتبادلة، خصوصا أن كييف باتت تعتبر استهداف العمق الروسي جزءا من أدوات الضغط العسكري والسياسي.
حرب استنزاف بالطائرات المسيرة
وتظهر حصيلة إسقاط 177 مسيرة أن الحرب الروسية الأوكرانية دخلت مرحلة أكثر اعتمادا على الطائرات غير المأهولة، بعدما أصبحت المسيرات وسيلة منخفضة الكلفة نسبيا لإرباك الدفاعات واستنزاف الخصم.
ولا تقاس نتيجة الهجوم بعدد المسيرات التي أسقطتها موسكو فقط، لأن إطلاق هذا العدد الكبير فوق مناطق متعددة يعني أن كييف تمتلك قدرة تشغيلية مستمرة على تنظيم هجمات واسعة ومنسقة.
كما تفرض هذه الهجمات عبئا كبيرا على الدفاعات الروسية، إذ تحتاج موسكو إلى تشغيل رادارات ومنظومات اعتراض في نطاقات واسعة، تمتد من المقاطعات الحدودية إلى مناطق داخلية ومواقع بحرية.
وفي المقابل، تواجه أوكرانيا تهديدا روسيا بتوسيع الضربات على منشآتها العسكرية والصناعية، ما يجعل البنية الخلفية للحرب هدفا دائما للطرفين، من مصانع السلاح إلى مراكز الطاقة والإمداد.
وتكشف هذه التطورات أن حرب المسيرات لم تعد هامشا في الصراع، بل أصبحت أحد مساراته الأساسية، لأنها تمنح كل طرف فرصة لضرب الآخر دون الدخول في مواجهة برية مباشرة.
كما تمنح المسيرات كييف قدرة على نقل الضغط إلى الداخل الروسي، بينما تمنح موسكو ذريعة لتكثيف ضرباتها على أوكرانيا، وهو ما يجعل التصعيد متبادلا ومفتوحا على موجات جديدة.
وبين إعلان وزارة الدفاع الروسية إسقاط 177 مسيرة، وتهديد بوتين بتوسيع الضربات، تبدو الحرب أمام مرحلة أكثر سخونة، حيث تتحول السماء إلى ساحة استنزاف يومية بين الجانبين.
وفي النهاية، لا يمثل الهجوم الأخير مجرد رقم عسكري في بيانات موسكو، بل يكشف حجم التحول في طبيعة الحرب، إذ باتت المسيرات والصواريخ الدقيقة تحدد إيقاع المواجهة وتدفع الطرفين نحو تصعيد أوسع.

