د. عصام تليمة

من علماء الأزهر، حاصل على الدكتوراه في الفقه المقارن

 

كثيرا ما ظلم الجهلة بالتراث فقهاء الإسلام، وبخاصة في ملف حقوق الإنسان، ورعاية حقوق الضعفاء والمظلومين، وكثيرا ما تغنى المنبهرون بالغرب وسبقه في حقوق الإنسان، وصبوا جام غضبهم على التراث الإسلامي، ولم يروا منه سوى مواقف تعتبر شذوذا عن نصوص القرآن والسنة، التي رعت حقوق الإنسان واعتبرتها ضرورات تراعى، بغض النظر عن دين ولون وجنس صاحبها، وشنت حملة على المتجاوزين.

 

وكلما تعمقنا في تراثنا الفقهي اكتشفنا صفحات تدل على سبقه في مجال الحقوق، ولم يكن مطلوبا منا سوى إزالة الغبار عن هذه النصوص التراثية الفقهية، ومن ذلك ما نشر مؤخرا من رسالة من عدة صفحات، وهي فتوى لفقيه شافعي دمشقي، وهو الإمام تقي الدين الحصني، وفتواه بعنوان: (حرمة ترحيل المهاجرين وقهرهم على العودة إلى بلادهم)، والتي نشرتها مؤخرا الدار الشامية للنشر، وحققها الأستاذ محمود محمد سعيد الحلبي.

 

الفتوى لفقيه ولد سنة 751هـ وتوفي سنة 829 هـ، أي قبل ما يزيد عن خمسمائة عام من الآن، وقد كانت آنذاك أوروبا ترزح في مظالم كبرى، بينما كان فقيه شافعي مشغولا بهذه الفتوى، المتعلقة بأقوام خرجوا من ديارغهم لأغراض مختلفة، وهي – كما ذكر – الفرار من الظلم والفتن والاختلاف، وغير ذلك مما له اعتبار في الشرع، ثم استقروا في دمشق وغيرها من البلدان، وأمضوا فيها مددا من الزمن بلغت عند بعضهم سنين طويلة، وتزوجوا وحصل لهم أولاد ونسل ومصالح مختلفة.

 

وقد كان بعضهم يعمل بالفلاحة في الإقطاعات الزراعية المختلفة في بلده قبل الهجرة، فأراد بعض الناس من أهل البلد الثاني إخراجهم وترحيلهم إلى موطنهم الأصلي، وأغروا أصحاب الإقطاعات ليعيدوهم إلى العمل في الفلاحة قهرا.

 

فاستفتي الإمام الحصني: ما حكم إكراه هؤلاء على العودة إلى ديارهم، وقهرهم على الفلاحة بحجة تحسين الغلة وزيادة المحصول؟ وما حكم من يعين على هذا القهر؟ وما دور السلطان في منع هذا الظلم الواقع على هؤلاء المهاجرين؟

 

كانت إجابة الحصني واضحة صارمة لا لبس فيها ولا غموض، فمما قال بعد مقدمة عن الظلم: (ومن جملته هذه الخصلة الخبيثة، وهي قهر الناس على جعلهم فلاحين، وردهم إلى القرى وغيرها. وهذا من الظلم الظاهر الفاشي المتظاهر، سواء كان الرجل فلاحا، أو غير فلاح، عرف بفلاحة أو لم يعرف. فلا يجوز، ويحرم؛ أن يجبر أحد على عمل بغير رضاه، وإن كان يهوديا أو نصرانيا، فضلا عن مؤمن موحد، سواء تقادم عهده بالرحلة أو تأخر.

 

وهذا من أقبح خصال الظلم، وأبشع فعال أهل الجور والبغي؛ لأنه نوع من الأسر الذي فيه قهر للشخص على رغمه، مع التظاهر بفعله، وذلك نوع من الصغار الذي هو للكفار، فصنعه مع المسلم يدل على خبث الطوية، وإظهاره على وجه القهرية قرينة ظاهرة تدل على الاستهزاء بالشريعة المطهرة المحمدية. وقد حرم الله الظلم على نفسه، وهذا كاف كاف كاف في تحريم الظلم).

 

ثم بين الحصني حكم من يمارس هذا الظلم، أو من يعين الظلمة عليه بمشورة، فقال: (فالظلم محرم في دين الإسلام، وفي دين اليهودية والنصرانية، بل في جميع الملل. وقد تظاهرت الكتب المنزلة وسنن المرسلين عليهم الصلاة والسلام على المنع من الظلم، وعلى الحث في المنع منه، وعلى شؤم عاقبة مرتكبه ومتعاطيه، وكذلك المعين عليه ولو بشطر كلمة، كقول بعض الفجرة والنماقين لبعض الظلمة والمعتدين: إن رددت فلاحينك وأصحاب الأسباب إلى بلدك، عَمَرَ، وجاء المغلُّ وافرًا! وهذا القائل الجاهل السيء المقال قد ورط نفسه في أشد هلكة!).

 

ثم تحدث الإمام الحصني عن جزاء من يظلم بطرد المهاجرين، أو يعين على ظلمهم، وعن دور المهاجر المظلوم مع ظالمه في نص حقوقي عظيم، فقال: (فعلى هذا: من أعان ظالما على رد أحد إلى الفلاحة ـ وإن كان من أهل البلد ـ فهو من أهل الظلم، وقد عرض نفسه للبلاء المبرم في الدنيا والآخرة. فيزجر ويهان وينكل به في الدنيا، لينزجر عن هذه الخصلة القبيحة الخبيثة، التي لا يتعاطاها أهل التوحيد، ومن آمن بالله ورسوله.

 

وأما في الآخرة: فقد قال الله عز وجل: (إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم) الشورى: 42، يصل ألمه إلى قلوبهم وجميع أجسادهم، ويستغيثون فلا يُغاثون، كما صنعوا بالمظلومين؛ جزاء وفاقا، وشتان ما بينهما).

 

ثم بين الحصني أن آخذ هذا المهاجر لطرده ورده إلى بلده وهو مظلوم، بأنه مظلوم، وأن ظالمه صار الكلب محترما أكثر منه، على حد عبارة الحصني، ثم قال الحصني: (هذا إن لم يستحل هذا الظالم الظلم الذي تعدى فيه، فإن استحله فهو كافر... فيستتاب، فإن تاب توبة صحيحة، واستسلم إلى الله عز وجل وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم بظاهره وباطنه، عاد إلى الإسلام، وإن تاب بظاهره دون باطنه، فهو باق على كفره، خالد في النار).

 

ثم خاطب الحصني المجتمع بكل مكوناته بقوله: (ويجب على كل مكلف مساعدة هؤلاء المقهورين، ودفع الظلم عنه إن قدر على ذلك، بالفعل والقول، وهو من أعظم القربات التي فيها رضى رب الأرضين والسماوات، وإن لم يفعل فله أشد العقوبات).

 

إن الحصني الذي عاش في القرن التاسع الهجري، أي: القرن الخامس عشر الميلادي، بهذه الفتوى، التي نقلت مختصرها، وهي موجودة بتفاصيلها في الكتيب المنشور الذي أشرت إليه في مقدمة المقال، قال الحصني هذا الكلام، ولم يكن فلتة في فكره وفقهه، بل إن كتابا فقهيا له، يعد من أهم المراجع الفقهية للمذهب الشافعي، وهو كتاب: (كفاية الأخيار)، ملأه الفقيه الشافعي بتعليقات على الظلمة، في كل سياق فقهي له صلة، أو لم يكن له صلة، دلالة على أنه كان مسكونا برفض الظلم، ومواجهته، ومواجهة الظلمة، مما شجعني على كتابة مقال مفصل عن موقفه من الظلم في هذا الكتاب.

 

والحصني في كلامه هنا يتكلم عن طرد المهاجرين داخل البلد الواحد، فما بالنا بالمهاجر الذي يطرد من بلد اللجوء لبلده ليسلم وينكل به، وقد لجأ لحمايته من الظلم والعسف الممارس عليه في بلده، لا شك أن كلامه سيكون أشد وأقسى، رحمه الله.

 

لو كان نص الحصني في فتواه عن حرمة ترحيل المهاجرين، قال به فيلسوف أوروبي، لطار به الأوروبيون، ولقاموا بحفظ نص كلامه في متحف، وقرروه في نصوص ومحفوظات على طلاب المدارس، ولردد صدى كلامهم مثقفون عرب، ولحطوا من شأن تراث أمتهم أمام هذه النصوص الأوروبية. ويمكنني أن أنقل نصوصا وافرة، لكثير من الفقهاء قبل الحصني وبعده، في مجال حقوق الإنسان، مسلما كان أو غير مسلم، بل في مجال حقوق الحيوان والطير، تدل على أن تراثنا الفقهي كان سباقا، وأن بعض مواضع التخلف هي نتوءات لا تنتمي للجسد الأصيل للفكر الإسلامي.