أعلنت 6 دول غربية فرض عقوبات جديدة على مستوطنين ومنظمات وشبكات مرتبطة بالعنف الاستيطاني في الضفة الغربية، في خطوة عكست تحولًا مهمًا في التعامل الدولي مع اعتداءات المستوطنين ضد الفلسطينيين.
وتأتي العقوبات وسط تصاعد خطير في عمليات التهجير والاعتداءات وهدم الممتلكات الفلسطينية، لكنها فتحت في الوقت نفسه سؤالًا أكبر حول قدرة الغرب على الانتقال من معاقبة المنفذين إلى مواجهة بنية الاستيطان نفسها.
تحول غربي من الإدانة إلى العقوبات
تعهدت بريطانيا وفرنسا والنرويج وكندا وأستراليا بمحاسبة المستوطنين المتطرفين، فيما اتخذت نيوزيلندا إجراءات مماثلة، لتظهر العقوبات الجديدة كأوسع تحرك غربي منسق ضد شبكات العنف الاستيطاني في الضفة الغربية.
وقال وزراء خارجية هذه الدول إن المستوطنين المتورطين في الاعتداءات عملوا لسنوات في ظل إفلات شبه كامل من العقاب، بينما وقعت بعض الانتهاكات بدعم أو تسهيل من الحكومة الإسرائيلية.
كما أشار البيان المشترك إلى أن بعض اعتداءات المستوطنين جرت تحت حماية قوات الأمن الإسرائيلية، وهو توصيف يمنح العقوبات وزنًا سياسيًا وقانونيًا يتجاوز لغة القلق التقليدية التي اعتادها الفلسطينيون.
وتعكس هذه اللغة تغيرًا واضحًا في الخطاب الغربي، لأن العنف لم يعد يوصف باعتباره حوادث فردية أو تجاوزات متفرقة، بل باعتباره ظاهرة منظمة تحتاج إلى محاسبة مباشرة.
وفي هذا السياق، تمثل العقوبات الجديدة خطوة أكثر قوة من بيانات الإدانة، لأنها تستهدف أشخاصًا وكيانات وشركات يشتبه في دورها بتمويل أو تسهيل أو تنفيذ اعتداءات ضد الفلسطينيين.
غير أن قوة الخطوة لا تلغي محدوديتها، لأن العقوبات بقيت داخل دائرة الأفراد والمنظمات، ولم تصل بعد إلى حظر التعامل الاقتصادي مع المستوطنات أو وقف الأنشطة التجارية المرتبطة بها.
استهداف الشبكات لا يكفي وحده
شملت العقوبات البريطانية منظمات وشركات مرتبطة بدعم البؤر الاستيطانية وتمويلها، وبينها كيانات اتُهمت بتسهيل العنف أو جمع الأموال لمشروعات استيطانية ساهمت في تهجير فلسطينيين من أراضيهم.
وفي فرنسا، اتخذت السلطات خطوة لافتة بمنع وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش من دخول أراضيها، بعد ترويجه لضم الضفة الغربية وتوسيع الاستيطان وإضعاف السلطة الفلسطينية.
وجاء هذا القرار بعد حظر دخول وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير إلى فرنسا، ما يعكس تصعيدًا سياسيًا ضد رموز اليمين الإسرائيلي الأكثر ارتباطًا بخطاب الضم والعنف الاستيطاني.
لكن الإجراءات، رغم أهميتها، لم تصل إلى منع الشركات والمستثمرين من التعامل مع المستوطنات بصورة إلزامية، واكتفت بعض الحكومات بتحذيرات وإرشادات ذات طابع أخلاقي وقانوني غير حاسم.
وفي بريطانيا، دعت الحكومة المواطنين والشركات إلى عدم الانخراط في أنشطة اقتصادية داخل المستوطنات، كما أعلنت تحقيقات بشأن صلات محتملة بين جمعيات خيرية ومشروعات استيطانية في الأراضي المحتلة.
إلا أن النقاشات البرلمانية كشفت الثغرة الأساسية، إذ واجهت الحكومة أسئلة حول استمرار فعاليات تسويق عقارات داخل مستوطنات إسرائيلية في لندن، دون إعلان عقوبات واضحة على المخالفين.
وبذلك يظل التصعيد الغربي مهمًا لكنه ناقص، لأنه يضع أسماء على قوائم العقوبات، لكنه لا يغلق القنوات الاقتصادية التي تمنح الاستيطان القدرة على التوسع والبقاء والاستفادة من الأسواق الخارجية.
تقارير أممية تضغط نحو موقف أكثر حسمًا
تزامنت العقوبات مع تقرير للجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة، أكد أن عنف المستوطنين في الضفة الغربية لا يمكن التعامل معه باعتباره حوادث منفصلة أو اعتداءات معزولة.
وقالت اللجنة إن مجموعات المستوطنين والدولة الإسرائيلية تعملان لتحقيق أهداف استراتيجية مشتركة، تشمل توسيع المستوطنات وضم الأراضي الفلسطينية وتهجير السكان الفلسطينيين من مناطقهم.
كما أوضح التقرير أن العنف وتدمير الممتلكات والتهديدات تستخدم بصورة منظمة لدفع العائلات الفلسطينية إلى مغادرة أراضيها، بما يحول الاعتداءات اليومية إلى أداة لتغيير الواقع الديمغرافي.
وتمنح هذه الخلاصات الأممية العقوبات الغربية سندًا أوسع، لأنها تربط بين الفرد المعاقب والبنية السياسية التي تسمح له بالتحرك، وتحميه في أحيان كثيرة من المحاسبة.
ومن هنا يصبح الاختبار الحقيقي في المرحلة المقبلة هو استعداد هذه الدول للذهاب إلى إجراءات أكثر تأثيرًا، مثل حظر تجارة المستوطنات، ومنع تسويق عقاراتها، وملاحقة تمويل البؤر غير القانونية.
ورغم رفض إسرائيل العقوبات ووصفها بأنها إجراءات مخزية، فإن الموقف الغربي الجديد يضع حكومة بنيامين نتنياهو أمام ضغط متزايد، خصوصًا مع اتساع الربط الدولي بين الاستيطان والتهجير والضم.
وفي المحصلة، تمثل العقوبات تصعيدًا مهمًا لأنها تكسر نمط الإفلات الكامل من العقاب، لكنها لا تزال تحتاج إلى موقف أكثر حسمًا يواجه اقتصاد الاستيطان لا مجرد بعض شبكاته.
ولهذا تبقى الضفة الغربية أمام سؤال مفتوح: هل تتحول العقوبات إلى بداية سياسة دولية جديدة توقف التوسع الاستيطاني، أم تبقى خطوة قوية في الشكل وناقصة في الأثر على الأرض.

