سجل سعر الدولار قفزة كبيرة أمام الجنيه المصري في بداية تعاملات الإثنين 8 يونيو 2026، بعدما ارتفع بنحو 50 قرشًا داخل البنوك، مع تجدد القصف المتبادل بين إيران وإسرائيل وعودة المخاوف الجيوسياسية إلى سوق الصرف.
وجاءت القفزة لتكسر موجة التعافي المحدودة التي حققها الجنيه خلال الأسبوع الماضي، وتكشف هشاشة الاستقرار النقدي عندما تتحرك الأموال الساخنة تحت ضغط الحرب، رغم إعلان البنك المركزي ارتفاع الاحتياطي الأجنبي إلى 53.134 مليار دولار بنهاية مايو.
قفزة مفاجئة تنهي أسبوع التعافي
تجاوز الدولار حاجز 52 جنيهًا مجددًا في معظم البنوك، بعدما تحركت الأسعار صعودًا مع بداية التعاملات، وسط طلب متزايد من المستثمرين المتخارجين وتحوط واضح من المخاطر الإقليمية المتصاعدة.
وسجلت بنوك أبوظبي الإسلامي والمصرف المتحد وأبوظبي الأول والأهلي الكويتي أعلى سعر عند 52.25 جنيه للشراء و52.35 جنيه للبيع، وفق رصد العربية بيزنس لحركة السوق المصرفية.
في المقابل، جاء أقل سعر لدى بنك الإمارات دبي الوطني عند 51.67 جنيه للشراء و51.77 جنيه للبيع، بما يعكس اتساع الفجوة بين أسعار البنوك في يوم اتسم بالتذبذب السريع.
كما سجل الدولار في بنوك مصر والإسكندرية والتجاري الدولي وميد بنك والعربي الأفريقي وسايب نحو 52.15 جنيه للشراء و52.25 جنيه للبيع، بينما سجل في البنك الأهلي المصري 52.12 جنيه للشراء و52.22 جنيه للبيع.
وعند البنك المركزي المصري، بلغ سعر الدولار 51.75 جنيه للشراء و51.89 جنيه للبيع، وهو مستوى أدنى من أسعار عدد كبير من البنوك التجارية، لكنه أكد اتجاه السوق الرسمي نحو صعود جديد.
الحرب تعيد اختبار الأموال الساخنة
جاء صعود الدولار مع تجدد الحرب بين إيران وإسرائيل، وهي تطورات تضغط عادة على الأسواق الناشئة، لأنها تدفع المستثمرين إلى تقليل المخاطر والاتجاه إلى الدولار أو الخروج من أدوات الدين المحلية.
وتتأثر مصر بهذا النوع من الاضطرابات لأن جزءًا من تدفقاتها الدولارية يرتبط باستثمارات قصيرة الأجل تبحث عن عائد مرتفع، لكنها تتحرك بسرعة عند ظهور حرب أو توتر سياسي واسع.
وقال الخبير المصرفي عز الدين حسانين إن ارتفاع الدولار في هذه الفترة يمثل ما وصفه بـ”التسعير العقابي” أثناء خروج الاستثمارات قصيرة الأجل، عبر تحريك سعر الصرف بما يقلل العائد الفعلي للمستثمرين عند تحويل الأموال إلى الخارج.
وأوضح حسانين أن هذه الآلية لا تعني بالضرورة وجود سوق سوداء أو أزمة توافر للعملة الأجنبية، بل أداة مؤقتة لإدارة السيولة وحركة رؤوس الأموال خلال فترات الاضطراب.
لكن هذا التفسير لا يلغي أثر الصعود على الداخل، لأن كل زيادة في الدولار تنتقل سريعًا إلى توقعات التجار والمستوردين، ثم تضغط على أسعار السلع المستوردة والمحلية التي تدخل فيها مكونات أجنبية.
احتياطي قياسي لا يمنع اهتزاز السوق
تؤكد بيانات البنك المركزي أن صافي الاحتياطي الأجنبي ارتفع إلى 53.134 مليار دولار بنهاية مايو 2026، مقارنة بنحو 53.009 مليار دولار في أبريل، وهو مستوى يمنح الجهاز المصرفي غطاءً رسميًا قويًا.
غير أن السوق لا يتحرك بالاحتياطي وحده، بل يتأثر بتوقعات خروج المستثمرين، وحركة النفط، وتكلفة التأمين والشحن، ومخاطر اتساع الحرب في الشرق الأوسط إلى ممرات الطاقة والتجارة.
لذلك تبدو القفزة الحالية رسالة أكثر منها أزمة سيولة كاملة، فهي تقول إن الجنيه لا يزال رهينة المزاج الخارجي، وأن التدفقات الدولارية المرتفعة لا تكفي وحدها إذا ارتبطت بأموال سريعة الخروج.
كما أن المواطن لا يرى الاحتياطي في حياته اليومية، بل يرى أثر الدولار في أسعار الغذاء والدواء والأجهزة والوقود غير المباشر، وهو ما يجعل أي قفزة جديدة بداية موجة قلق لا مجرد رقم مصرفي.
وتضع هذه التطورات البنك المركزي أمام معادلة صعبة، فترك السعر يتحرك يحافظ على مرونة السوق ويخفف ضغط الخروج، لكن استمرار الصعود يفتح بابًا جديدًا للتضخم ويضعف الثقة في تعافي الجنيه.
وفي النهاية، لا تكشف قفزة الدولار فقط عن أثر الحرب بين إيران وإسرائيل، بل تكشف أن الجنيه ما زال واقفًا على أرض قلقة، تتحكم فيها الأخبار العسكرية، وحركة الأموال الساخنة، وخوف الأسواق من أن يتحول كل توتر خارجي إلى فاتورة جديدة على المصريين.

