كشف وزير الاستثمار والتجارة الخارجية المصري محمد فريد صالح، في تصريحات لرويترز من لندن، أن الحكومة تستهدف إدراج ما يصل إلى 4 شركات مملوكة للدولة في البورصة خلال 12 شهرا، ضمن إجراءات لتبسيط الأعمال.
وتضع التصريحات الاقتصاد المصري أمام تناقض واضح، فالحكومة تتحدث عن تيسير الاستثمار وجذب الشركات، بينما يتحرك البرنامج تحت ضغط صندوق النقد، وتراجع الجنيه، وبقاء الدولة لاعبا ثقيلا يزاحم القطاع الخاص.
طروحات حكومية بعد سنوات من الوعود
قال محمد فريد صالح إن الحكومة ستكثف جهودها لتبسيط الإجراءات الإدارية أمام الشركات المحلية، مع تسهيل تأسيس الشركات وجمع رؤوس الأموال وعمليات الاندماج والاستحواذ، خصوصا للشركات غير المدرجة في البورصة.
وبحسب تصريحاته، تتوقع الحكومة طرح أكثر من 6 شركات في البورصة المحلية خلال 12 شهرا، بينها عدد من الشركات المملوكة للدولة، إلى جانب نحو 4 أو 5 شركات من القطاع الخاص.
وتتضمن الخطة الحكومية بيع حصة تصل إلى 20% من شركة مصر لتأمينات الحياة، وهو إجراء مؤجل منذ أكثر من 15 عاما، وتقدر الحكومة أن يدر نحو 14 مليار جنيه.
غير أن تأخر هذه الخطوة يكشف بطء برنامج الطروحات، لأن الحكومة لم تعلن اليوم سياسة جديدة بقدر ما تعيد تسويق التزامات قديمة أمام صندوق النقد والمستثمرين بعد سنوات من التعثر.
وفي هذا المحور، يرى الباحث تيموثي كالداس أن برنامج صندوق النقد في مصر يستهدف تقليص دور الشركات المملوكة للدولة، بما يشمل الشركات العسكرية، وفتح مساحة لنمو يقوده القطاع الخاص.
لذلك لا تبدو الطروحات مجرد تنشيط للبورصة، بل محاولة لإثبات أن الحكومة تتحرك في ملف طالما اعتبره الصندوق معيارا لجدية الإصلاح، خصوصا مع استمرار هيمنة الدولة على قطاعات واسعة.
كما أن إدراج شركات الدولة لا يضمن وحده تحسن بيئة الأعمال، لأن المستثمر لا يبحث فقط عن سهم جديد، بل عن سوق عادلة وشفافة لا تتغير قواعدها حسب هوية المالك.
البيروقراطية لا تصلحها التصريحات وحدها
أكد وزير الاستثمار أن أولوية الأشهر الـ12 المقبلة ستكون تيسير ممارسة الأعمال للشركات القائمة، حتى تتمكن من مواصلة نشاطها، واصفا المهمة بأنها ضخمة، في اعتراف ضمني بثقل التعقيدات اليومية على القطاع الخاص.
وتشمل التعقيدات التي وعد الوزير بمعالجتها تأسيس الشركات، وتيسير التمويل، وإجراءات الاندماج والاستحواذ، وهي ملفات تمس الشركات الصغيرة والمتوسطة بقدر ما تمس المستثمرين الكبار والصناديق الأجنبية.
لكن الأزمة لا تقف عند ورقة أو ترخيص، لأن القطاع الخاص يعمل داخل اقتصاد تسيطر عليه كيانات حكومية وشبه حكومية، بينما يبقى المستثمر المحلي أقل قدرة على منافسة طرف يملك الأرض والتمويل والنفوذ.
وفي هذا السياق، يؤكد الباحث عمرو عادلي أن الاقتصاد المصري يعاني من فجوة ثقة بين الدولة والمجتمع الاقتصادي، ومن اتساع القطاع غير الرسمي، وهي عوامل تضعف قدرة السياسات الرسمية على خلق سوق مستقرة.
وبناء على ذلك، يصبح تبسيط الإجراءات خطوة ناقصة إذا لم يصاحبه تقليص فعلي للامتيازات التي تحصل عليها كيانات الدولة، وفتح المنافسة أمام الشركات الخاصة على أساس قواعد معلنة ومحاسبة متساوية.
كذلك لا تكفي وعود تحسين بيئة الأعمال إذا استمر المستثمر في مواجهة تكلفة تمويل مرتفعة، وإجراءات طويلة، وضرائب ورسوم غير مستقرة، ومنافسة غير متكافئة مع شركات تابعة للدولة.
لذلك تبدو تصريحات الوزير اختبارا لا بيانا دعائيا، لأن الشركات الموجودة بالفعل تريد رؤية أثر سريع في التعاملات اليومية، لا انتظار موجة جديدة من المؤتمرات والوعود العامة.
الجنيه والخصخصة تحت ضغط صندوق النقد
تأتي تصريحات صالح بينما يتعافى الاقتصاد المصري بحذر بعد أزمة العملة، مدعوما ببرنامج قيمته 8 مليارات دولار مع صندوق النقد الدولي، يشمل تحرير سعر الصرف وتشديد السياسة المالية وتقليص دور الدولة.
وعند سؤاله عن الجنيه، أكد الوزير أن الحكومة لن تتراجع عن سعر الصرف المرن، رغم أن العملة المصرية تراجعت بنحو 8% منذ اندلاع الحرب الإيرانية، ما أعاد مخاوف التضخم ومسار الأسعار.
وقال صالح إن المستثمرين يستطيعون التعامل مع التقلبات، لكنهم لا يتعاملون مع الضبابية، مؤكدا أن الحكومة تركز على استهداف التضخم، وتواصل الالتزام بالانضباط المالي أمام صدمات المنطقة.
لكن المرونة التي تطمئن المستثمر الأجنبي تضغط على المواطن والشركة المحلية معا، لأن تراجع الجنيه يرفع تكلفة الاستيراد ومدخلات الإنتاج، ويزيد أسعار السلع، ويحول الإصلاح النقدي إلى فاتورة معيشية مباشرة.
وفي هذا المحور، يرى يزيد صايغ أن شروط صندوق النقد لم تنجح تاريخيا في تقليص الدور الاقتصادي للمؤسسة العسكرية، وأن الصندوق تكيف عمليا مع استمرار الدور الاستراتيجي للاقتصاد العسكري.
وتعني هذه القراءة أن طرح 4 شركات حكومية لن يكون دليلا كافيا على تغيير بنية الاقتصاد، ما لم يشمل الإصلاح شفافية الشركات التابعة للدولة والجيش وإخضاعها لقواعد السوق نفسها.
كما أكد صالح أن الحكومة حققت أو تجاوزت أهداف مراجعة صندوق النقد، ومنها عجز الموازنة والفائض الأولي، وقال إنه لا توجد حاليا خطط لبرنامج جديد بعد انتهاء البرنامج الحالي.
غير أن نفي الحاجة إلى برنامج جديد لا يلغي اعتماد الاقتصاد على ثقة المقرضين والأسواق، لأن ديون الدولة وسعر الجنيه والتضخم والطروحات كلها تتحرك داخل إطار مراقبة دولية مستمرة.
وفي النهاية، لا تختبر تصريحات رويترز قدرة الحكومة على طرح أسهم جديدة فقط، بل تختبر قدرتها على كسر نمط اقتصادي قديم، يبيع بعض الأصول عند الأزمة، ثم يترك الدولة محتفظة بمفاتيح السوق.

