رشح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، المحامي نيكولاس نيك أوبرهايدن، من ولاية تكساس، لمنصب سفير الولايات المتحدة لدى مصر، في اختيار لافت من خارج السلك الدبلوماسي التقليدي، وينتظر موافقة مجلس الشيوخ قبل تسلمه المنصب رسميًا.
ويحمل الترشيح رسالة سياسية مباشرة للقاهرة والمنطقة، لأن أوبرهايدن ليس دبلوماسيًا محترفًا، بل محامٍ اتحادي بارز في قضايا الأمن القومي والتحقيقات الحكومية، وبرز اسمه في ملفات مرتبطة بإسرائيل وهجمات 7 أكتوبر، فضلًا عن علاقات مهنية مع شخصيات قريبة من دوائر الاستخبارات والأمن في إدارة ترامب.
محامٍ أمني بدلًا من دبلوماسي محترف
أرسل البيت الأبيض اسم نيك أوبرهايدن إلى مجلس الشيوخ ضمن قائمة ترشيحات دبلوماسية شملت عددًا من الدول، ونص الترشيح الرسمي على اختياره سفيرًا مفوضًا فوق العادة للولايات المتحدة لدى جمهورية مصر العربية، وهو ما يعني أن التعيين لم يصبح نافذًا إلا بعد جلسات التثبيت والتصويت في المجلس.
ويختلف اختيار أوبرهايدن عن التعيينات التقليدية في القاهرة، لأن مصر عادة تستقبل سفراء لهم خبرة طويلة في الخارجية الأمريكية أو الشرق الأوسط، بينما يأتي المرشح الجديد من خلفية قانونية وأمنية، ويقدم نفسه عبر مكتبه بوصفه محاميًا متخصصًا في الدفاع الاتحادي والتحقيقات الجنائية وقضايا الأمن القومي.
وتذكر سيرته المهنية أنه خدم كمستشار للسياسات القانونية في وزارة الخارجية الأمريكية، كما يعمل مؤسسًا لمكتب محاماة في دالاس يتولى قضايا مرتبطة بمكتب التحقيقات الفيدرالي، ووزارة العدل، ولجنة الأوراق المالية، والتحقيقات الداخلية، والجرائم الاقتصادية، والبيتكوين، وتقنية البلوك تشين.
كما درس أوبرهايدن القانون في ألمانيا والولايات المتحدة، وتعرض سيرته مسارًا دوليًا بين جامعات أوروبية وأمريكية، لكنه لم يأت إلى المنصب من بوابة العمل الدبلوماسي الميداني، بل من بوابة الدفاع القانوني عن شخصيات وشركات تواجه تحقيقات حكومية عالية الحساسية.
ولهذا يبدو الترشيح أقرب إلى اختيار رجل ملفات صلبة لا رجل بروتوكول، خصوصًا أن القاهرة تمثل لواشنطن نقطة تقاطع بين غزة وإسرائيل والبحر الأحمر والسودان وملف المساعدات العسكرية، وهي ملفات لا تنفصل في إدارة ترامب عن الأمن والاستخبارات والصفقات.
قضايا إسرائيل و7 أكتوبر في خلفية الاختيار
برز اسم أوبرهايدن في القضايا التي تتصل بهجمات 7 أكتوبر 2023، إذ يعرض مكتبه خدمات قانونية لضحايا الهجوم وعائلاتهم من أجل ملاحقة جهات يصفها بأنها مسؤولة عن دعم حركة حماس، والمطالبة بتعويضات عبر قوانين أمريكية تسمح بمقاضاة من يتهمون بدعم الإرهاب.
وتتحدث مواد مكتبه عن ملاحقة دول وجهات ومنصات مالية، بينها إيران وسوريا ومنصات عملات مشفرة، بدعوى تسهيل تمويل حماس أو دعم الهجوم على إسرائيل، وهو ما يضع المرشح الجديد داخل شبكة قانونية وسياسية منحازة بوضوح للرواية الإسرائيلية بعد 7 أكتوبر.
ولا تقتصر دلالة هذه الخلفية على مواقفه المهنية السابقة، لأن مصر تمسك بملفات شديدة الحساسية في غزة، من معبر رفح والمساعدات الإنسانية إلى الوساطة بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، ومن ثم فإن وصول شخصية قانونية مرتبطة بملفات إسرائيل وحماس إلى السفارة الأمريكية في القاهرة يحمل معنى يتجاوز التمثيل الدبلوماسي العادي.
كما أن اختيار محامٍ استخدم أدوات القانون الأمريكي لملاحقة أطراف مرتبطة بفلسطين أو داعمة لها، يفتح بابًا لتشديد الضغط السياسي والقانوني على البيئة المحيطة بملف غزة، خاصة إذا استخدمت واشنطن السفارة في القاهرة بوصفها غرفة متابعة للملفات الأمنية والإنسانية والحدودية.
وبالنسبة لمصر، لا يأتي هذا الترشيح في فراغ، لأن علاقتها بواشنطن تمر دائمًا عبر مزيج المساعدات العسكرية والتنسيق الأمني والتطبيع الإقليمي وضبط حدود غزة، وهي ملفات تجعل شخصية السفير الجديد جزءًا من طريقة إدارة ترامب للمنطقة لا مجرد ممثل سياسي في عاصمة عربية.
شبكة علاقات مع بومبيو وراء تكليف وغودي
تزداد حساسية الترشيح بسبب شبكة العلاقات المحيطة بأوبرهايدن، إذ أعلن مكتبه في أكتوبر 2023 انضمام مايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق ومدير وكالة الاستخبارات المركزية السابق، وجون راتكليف، مدير الاستخبارات الوطنية السابق ومدير وكالة الاستخبارات المركزية في إدارة ترامب، وتري غودي عضو الكونغرس السابق، كمستشارين استراتيجيين.
وتعطي هذه الأسماء صورة أوضح عن البيئة السياسية التي يتحرك فيها المرشح، فهي ليست دائرة دبلوماسية كلاسيكية، بل شبكة جمهورية قريبة من أجهزة الأمن والاستخبارات والتحقيقات الفيدرالية، الأمر الذي يجعل منصب القاهرة بوابة لسياسات أمنية أكثر منها مساحة لحوار سياسي متوازن.
كما نشرت مجلة دالاس مادة عن أوبرهايدن قالت فيها إن لديه تصريحًا أمنيًا رفيعًا لا يستطيع الإفصاح عن مسماه، وإنه يتعامل مع قضايا معلومات مصنفة وأسرار عسكرية ومتهمين بالتجسس، وهي تفاصيل تعزز صورة المرشح كمحامٍ مرتبط بعالم الملفات المغلقة لا بالعمل الدبلوماسي التقليدي.
وتؤكد المجلة نفسها أنه دافع عن أشخاص مرتبطين بأحداث اقتحام الكونغرس في 6 يناير 2021، وأن بعض قضاياه تتصل بعمل الاستخبارات الأمريكية في الخارج، وهي خلفية قد تجعل ترشيحه لمصر أكثر حساسية من أي سفير سياسي عادي، خصوصًا في بلد يظل حليفًا أمنيًا لواشنطن.
وفي النهاية، لا يبدو ترشيح أوبرهايدن مجرد تبديل إداري داخل السفارة الأمريكية بالقاهرة، بل إشارة إلى أن إدارة ترامب تريد سفيرًا يفهم لغة التحقيقات والعقوبات والأمن القومي، ويحمل سجلًا قانونيًا منحازًا لإسرائيل بعد 7 أكتوبر، في لحظة أصبحت فيها مصر ساحة ضغط أساسية بين غزة وتل أبيب وواشنطن.

