في جواب فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي عن سؤال «الغش في الامتحانات الدراسية أو الوظيفية»، في باب الفتاوى والأحكام، حذر فضيلته من الغش بكل صوره، مؤكدًا أن الإسلام يكرهه ويحرمه في البيع والشراء وسائر المعاملات الإنسانية، مادية كانت أو معنوية، لأن الغش يناقض الصدق الذي أمر به الشرع، ويخرج صاحبه من خلق المسلمين كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من غشنا فليس منا».

 

ويؤكد القرضاوي أن الغش في الامتحانات الدراسية أو الوظيفية لا يقف عند حدود مخالفة فردية، بل يتحول إلى ظلم للمجتهد والمجتمع والدولة، لأنه يسوّي بين المجتهد والمقصر، ويفتح الطريق أمام غير المؤهلين لتولي وظائف ومناصب لا يستحقونها، بما يؤدي إلى ضياع الأمانة وفساد الموازين.

 

الغش معصية لا يجوز التعاون عليها

 

يبين الشيخ القرضاوي أن المسلم مطالب بالصدق في كل شؤونه، لأن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، وهو مكسب أعظم من كل مكسب دنيوي يطلبه الإنسان بالغش أو الخداع.

 

ويقرر الدكتور أن فعل الحرام معصية، وأن مساعدة الغاش على غشه تدخل في باب التعاون على الإثم والعدوان، لأن من يعين الطالب أو الموظف على الغش يصبح شريكًا له في الإثم.

 

كما يوضح أن الامتحان وُضع للتمييز بين الذكي والبليد، والمجتهد والمقصر، والدارس والمفرط، ولذلك فإن الغش يهدم حكمة الاختبار ويظلم من بذل جهده بصدق واستحقاق.

 

ويستند القرضاوي إلى المعنى القرآني الذي يرفض التسوية بين أهل الصلاح والفساد، وبين الذين يعلمون والذين لا يعلمون، لأن العدالة تقتضي أن يأخذ كل إنسان مكانه بحسب علمه وجهده وكفاءته.

 

الغش ظلم للمجتمع وضياع للأمانة

 

يشدد فضيلته على أن انتشار الغش في الامتحانات الدراسية أو الوظيفية رذيلة خطيرة، لأنه خداع للمسؤولين، وظلم للمجتمع، وظلم للدولة، وليس مجرد محاولة عابرة للنجاح أو الحصول على وظيفة.

 

فالذي يغش قد يسبق المجتهد، وقد يجلس في عمل أو منصب لا يملك كفاءته، وبذلك تُسند الأمور إلى غير أهلها، وينحسر أهل الحق ويتقدم أهل الباطل.

 

ويربط الشيخ بين هذه الصورة وبين حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن ضياع الأمانة، حين قال إن إسناد الأمر إلى غير أهله علامة من علامات الخلل العظيم في المجتمع.

 

ومن هنا، يصبح الغش خطرًا عامًا، لأنه لا يفسد صاحبه وحده، بل يفسد ميزان المجتمع كله، ويجعل الجدارة والأمانة والعلم أقل قيمة من الخداع والتحايل.

 

الشهادة المزورة والوظيفة المغشوشة باب للرزق الحرام

 

ينبه الشيخ القرضاوي إلى أن من حصل على شهادة أو وظيفة بالغش يخشى أن يكون راتبه حرامًا عليه، لأنه يأخذ مالًا وهو غير مستحق له، ولم يبلغ الدرجة التي تؤهله لهذا المنصب.

 

ويصف فضيلته هذا المال بأنه قد يدخل في أكل المال بالباطل، لأن صاحبه نال المنصب بصورة غير صحيحة، ثم أخذ راتبًا مبنيًا على مؤهل أو اختبار لم يحصل عليه بصدق.

 

ولهذا ينصح الشيخ من حصل على وظيفة بالغش أن يسعى إلى شهادة حقيقية، أو يبحث عن عمل لا يتطلب مؤهلًا ليس عنده، حتى يطهر كسبه ويبتعد عن الشبهة والمعصية.

 

ويختم القرضاوي بالدعوة إلى تقوى الله والصبر، لأن الرزق لا ينبغي أن يطلب بمعصية، ولأن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته، ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب.

 

خلاصة دعوية

 

الغش ليس ذكاءً ولا مهارة ولا مخرجًا من ضيق الرزق، بل خيانة للأمانة، وظلم للناس، واعتداء على حق المجتهدين، وسبب في إفساد الوظائف والمناصب وإضعاف المجتمع.

 

والطريق الصحيح لمن وقع في الغش أن يتوب إلى الله، ويصحح مساره، ويطلب رزقه من باب مشروع، لأن الصدق قد يبدو أصعب في البداية، لكنه الطريق الذي يحفظ الدين والكرامة والمال.