كشفت تقارير أمريكية حديثة عن تداعيات عسكرية عميقة خلفتها الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، في وقت تتصاعد فيه المخاوف داخل الأوساط الدفاعية الأمريكية من أن تؤثر هذه المواجهة على جاهزية الجيش الأمريكي لسنوات مقبلة، رغم المخصصات المالية الضخمة التي ترصدها واشنطن لقطاع الدفاع.

 

ووفقًا لتقرير نشرته شبكة "إيه بي سي نيوز" الأمريكية، فإن الميزانية الدفاعية القياسية التي اقترحتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للعام المالي 2027، والتي تبلغ نحو 1.5 تريليون دولار، قد لا تكون كافية لتعويض الخسائر الكبيرة التي لحقت بالمخزون العسكري الأمريكي خلال العمليات العسكرية ضد إيران.

 

استنزاف واسع للترسانة الأمريكية


وأشار التقرير إلى أن الحرب الأخيرة استهلكت كميات ضخمة من الذخائر والصواريخ المتطورة التي تعتمد عليها القوات المسلحة الأمريكية في تنفيذ عملياتها الاستراتيجية، ما أدى إلى تراجع ملحوظ في مستويات المخزون العسكري الذي تراكم على مدار سنوات.

 

وأكدت التقديرات الواردة في التقرير أن استعادة القدرات التسليحية إلى المستويات التي كانت عليها قبل اندلاع الحرب لن تكون مهمة سهلة أو سريعة، بل قد تستغرق سنوات طويلة في ظل القيود الصناعية والإنتاجية التي تواجهها الشركات الدفاعية الأمريكية.

 

ويعكس هذا الواقع حجم الضغوط التي تتعرض لها المؤسسة العسكرية الأمريكية، خاصة مع استمرار التوترات الدولية ووجود التزامات عسكرية واسعة لواشنطن في مناطق مختلفة من العالم.

 

"توماهوك" في قلب الأزمة


ومن أبرز المؤشرات على حجم الاستنزاف الذي تعرضت له الترسانة الأمريكية، ما كشفه التقرير بشأن استخدام أكثر من ألف صاروخ من طراز "توماهوك" خلال العمليات العسكرية المرتبطة بالحرب.

 

ويعد "توماهوك" أحد أهم الصواريخ الهجومية بعيدة المدى في الترسانة الأمريكية، ويستخدم في تنفيذ الضربات الدقيقة ضد أهداف استراتيجية على مسافات كبيرة.

 

وبحسب التقرير، فإن إعادة إنتاج هذه الكميات الضخمة من الصواريخ واستكمال المخزون قد لا تكتمل قبل عام 2030، ما يعني أن القوات الأمريكية ستحتاج إلى سنوات لتعويض ما تم استهلاكه خلال فترة قصيرة نسبياً من القتال.

 

تحديات إعادة بناء منظومة "ثاد"


ولم تقتصر الخسائر على الصواريخ الهجومية فقط، بل امتدت إلى منظومات الدفاع الصاروخي المتطورة التي تعد أحد أعمدة الأمن القومي الأمريكي.

 

وأشار التقرير إلى أن استبدال نحو 290 صاروخاً من منظومة "ثاد" الدفاعية سيستمر حتى نهاية عام 2029، نتيجة التحديات المرتبطة بسلاسل التوريد العالمية ومحدودية القدرة الإنتاجية للمصانع المتخصصة.

 

وتعد منظومة "ثاد" من أكثر أنظمة الدفاع الصاروخي تطوراً في العالم، إذ صُممت لاعتراض الصواريخ الباليستية خلال مراحل متقدمة من مسارها، ما يجعل أي نقص في مخزونها مصدر قلق استراتيجي للمخططين العسكريين الأمريكيين.

 

أزمة إضافية في صواريخ "باتريوت"


كما سلط التقرير الضوء على التحديات التي تواجهها الولايات المتحدة في إعادة ملء مخزون صواريخ منظومة "باتريوت"، بعد استهلاك أكثر من ألف صاروخ اعتراضي خلال المواجهة.

 

وتشير التقديرات إلى أن عمليات التصنيع والتسليم الخاصة بهذه المنظومة قد تستمر حتى عام 2029، وهو ما يفرض ضغوطاً إضافية على الجيش الأمريكي الذي يعتمد على "باتريوت" في حماية القواعد العسكرية والمنشآت الحيوية والقوات المنتشرة في مناطق النزاع.

 

ويؤكد خبراء الدفاع أن استنزاف هذه الأنظمة الدفاعية يفرض تحديات تتجاوز مجرد الأرقام، إذ يتعلق الأمر بالحفاظ على شبكة الحماية الاستراتيجية التي تعتمد عليها القوات الأمريكية وحلفاؤها حول العالم.

 

المشكلة تتجاوز حجم الإنفاق


ورغم ضخامة الميزانية الدفاعية الأمريكية، يرى خبراء تحدثوا للشبكة الأمريكية أن جوهر الأزمة لا يكمن في نقص الأموال، وإنما في محدودية الطاقة الإنتاجية للصناعات العسكرية الأمريكية.

 

وأوضح الخبراء أن خطوط الإنتاج الخاصة بالذخائر والصواريخ المتطورة تعمل وفق قدرات محددة لا يمكن مضاعفتها بين ليلة وضحاها، حتى مع توفير التمويل اللازم.

 

كما أن الصناعات الدفاعية تعتمد على سلاسل توريد معقدة تشمل مواد خام ومكونات إلكترونية وتقنيات متقدمة، ما يجعل عملية زيادة الإنتاج تتطلب سنوات من التخطيط والاستثمار والتوسع الصناعي.

 

فجوة بين الموازنات والقدرات الفعلية


وأبرز التقرير أن الحرب مع إيران كشفت وجود فجوة متزايدة بين الأرقام الضخمة التي تعلنها الحكومات في موازناتها الدفاعية وبين القدرة الحقيقية على تحويل هذه الأموال إلى معدات عسكرية وذخائر جاهزة للاستخدام السريع.

 

ويرى مراقبون أن هذه الفجوة أصبحت تمثل أحد أبرز التحديات أمام القوة العسكرية الأمريكية، خاصة في ظل تنامي المنافسة مع قوى دولية كبرى واستمرار بؤر التوتر في مناطق مختلفة من العالم.

 

كما أظهرت الحرب أن التفوق المالي وحده لا يكفي لضمان التفوق العسكري، إذا لم يكن مصحوباً بقاعدة صناعية قادرة على تلبية احتياجات القوات المسلحة بوتيرة تتناسب مع متطلبات الحروب الحديثة.

 

مخاوف داخل المؤسسة العسكرية


وأثار هذا الواقع مخاوف متزايدة داخل الأوساط العسكرية الأمريكية بشأن قدرة الجيش على التعامل مع أزمات متزامنة أو خوض نزاعات طويلة الأمد في أكثر من منطقة حول العالم.

 

وتخشى دوائر الدفاع الأمريكية من أن يؤدي استمرار بطء الإنتاج إلى تقليص هامش المناورة الاستراتيجية للولايات المتحدة، خصوصاً إذا واجهت واشنطن تحديات أمنية جديدة خلال السنوات المقبلة قبل اكتمال إعادة بناء مخزونها العسكري.

 

اختبار صعب للقوة الأمريكية


وفي ختام تقريرها، خلصت "إيه بي سي نيوز" إلى أن الحرب مع إيران شكلت اختباراً حقيقياً لقدرة المنظومة الدفاعية الأمريكية على تحمل الاستنزاف، وكشفت أن حتى أكبر ترسانة عسكرية في العالم ليست بمنأى عن الضغوط التي تفرضها الحروب الحديثة.

 

وأكد التقرير أن إعادة بناء المخزون الاستراتيجي الأمريكي ستكون عملية طويلة ومعقدة، تتجاوز مجرد تخصيص ميزانيات ضخمة، لتصبح اختباراً لقدرة الصناعة الدفاعية الأمريكية على استعادة التوازن بين متطلبات الردع العسكري وواقع القدرات الإنتاجية المتاحة.