توضح الدكتورة سارة الخشن، أستاذ الاقتصاد المساعد ومدير تطوير الاستراتيجيات بالمستشفى البريطاني في مصر، في ورقتها البحثية، أن التاريخ الاقتصادي المصري يمثل رحلة تنموية معقدة تشهد تحولات جذرية واضحة. ولم تكن سياسات الإصلاح الاقتصادي تاريخياً مدفوعة بأيديولوجيا متماسكة، بل اتسمت بالتجريبية وتأثرت بالعديد من العوامل السياسية والاضطرابات المحلية والتحولات الإقليمية المتلاحقة.
وأفرز ضعف التكيف المؤسسي، وجود مؤسسات حصرية استخراجية، إصلاحات غير مستدامة، كما تسببت ضبابية ديناميكيات العلاقة بين الدولة وقطاع الأعمال في إضعاف تطور نظام كفء يقوده السوق، وظل هذا الوضع مستمراً حتى بدأت الإصلاحات الأخيرة التي تهدف إلى تبني نموذج اقتصادي يعتمد بشكل أكبر على آليات السوق الحر.
وتعتمد هذه الدراسة بشكل أساسي على ما ورد في سلسلة أوراق العمل الخاصة بـ "مصر: التنمية الاقتصادية والسياسات"، والتي تتوفر رقمياً على منصة بنك المعرفة المصري.
ويبين التحليل المعمق للاقتصاد السياسي الجذور الأساسية للتحديات التنموية الراهنة في مصر، مما يؤكد الحاجة الملحة لإعادة النظر في النموذج التنموي المتبع بالكامل. وتدعو الكاتبة إلى تبني نهج وطني نابع من الداخل للإصلاح الاقتصادي يعترف بالمشكلات الهيكلية العميقة، ويتطلب هذا النهج التزاماً حقيقياً بالإصلاحات المؤسسية، والحد من الهيمنة السياسية، وتعزيز دور السلطة التشريعية، مع تقليص الاعتماد على القوى الخارجية بهدف بناء نموذج مستقل للتنمية المستدامة.
أثر المؤسسات والسياسة في المخرجات الاقتصادية
تبرز أهمية المؤسسات السياسية والاقتصادية في تشكيل مسار التنمية طويلة الأجل، حيث يؤدي ضعف المؤسسات إلى انتشار الفساد ونمو القطاع غير الرسمي، وهو ما ينتج مؤسسات استخراجية تخدم فئة محدودة وتمنع نمو الاقتصاد بشكل شامل وعادل. وتتحكم السلوكيات المالية للسياسيين في توجيه السياسة الاقتصادية، وتظهر الحاجة ملحة لقواعد مالية صارمة تمنع تفاقم العجز والديون الناتجة عن القرارات الشعبية.
وتؤثر البيئة السياسية المستقطبة في تأخير برامج الاستقرار المالي نتيجة مقاومة جماعات المصالح التي تسعى لحماية مكاسبها الخاصة. وتتحكم الظروف الأولية مثل عدم المساواة في صياغة اقتصادات ما بعد الاستعمار، حيث تستغل النخب القوانين للحفاظ على نفوذها، وتربط نظريات التبعية التخلف الاقتصادي بالاستغلال التاريخي المستمر والتشابكات الرأسمالية العالمية.
رحلة التحولات الأيديولوجية والسياسات المالية بمصر
مرت مصر بمراحل زمنية متباينة بدأت بالحقبة الاشتراكية في الخمسينيات والستينيات التي ركزت على التصنيع وتوسيع دور القطاع العام ليكون المحرك التنموي الرئيس. وجاءت سياسة الانفتاح الاقتصادي في السبعينيات لتتحول نحو اقتصاد السوق الحر وتشجيع الاستثمارات الخاصة والأجنبية، مما حقق معدلات نمو مرتفعة، لكنها تزامنت لاحقاً مع أزمات ديون خانقة في منتصف الثمانينيات.
وتبنت الحكومة في التسعينيات برامج الإصلاح الهيكلي بالتعاون مع المؤسسات الدولية، وشهدت تلك الفترة تطبيق سياسات الخصخصة والتحرير التجاري والمالي. وواجهت البلاد بعد عام 2011 أزمات متتالية ونقصاً في الاستقرار المالي، وتضاعفت أعباء خدمة الديون والضغوط على العملة المحلية، مما دفع الدولة مؤخراً لإعلان إصلاحات هيكلية جديدة تهدف لجذب الاستثمارات وضبط التضخم.
التبعية الخارجية وإصلاح منظومة الدعم الحكومي
تمثل التبعية الاقتصادية الخارجية تحدياً مزمناً للاستقرار، وتتجسد في الاعتماد المتزايد على استيراد السلع الغذائية الاستراتيجية مثل القمح، مما يجعل الاقتصاد عرضة للصدمات السعرية العالمية. وساهم الاعتماد الكبير على الريوع الجيوسياسية مثل المساعدات الخارجية وعائدات قناة السويس في إضعاف الرغبة بتبني إصلاحات ضريبية هيكلية لتطوير الإنتاجية.
وشهدت منظومة الدعم تشوهات عديدة نتيجة عدم توجيه المنافع بشكل دقيق لمستحقيها الفعليين، مما استنزف الموارد المالية العامة للبلاد. وتواجه محاولات هيكلة الدعم حساسية سياسية واجتماعية بالغة.
https://buescholar.bue.edu.eg/econ/104/

