مع تسارع الاعتماد العالمي على تقنيات الذكاء الاصطناعي خلال العامين الماضيين، بدأت ملامح مرحلة جديدة تتشكل داخل كبرى الشركات التكنولوجية والمؤسسات التجارية حول العالم، عنوانها الرئيسي ليس الابتكار أو التطور التقني فحسب، بل السيطرة على التكاليف المتزايدة التي فرضتها هذه التقنيات.


فبعد موجة واسعة من الحماس والاستثمارات الضخمة في أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي ووكلاء الذكاء الاصطناعي، وجدت شركات كبرى نفسها أمام فواتير تشغيلية مرتفعة دفعتها إلى إعادة تقييم استراتيجياتها الرقمية والبحث عن بدائل أكثر كفاءة وأقل تكلفة.

 

وفي الوقت الذي كانت فيه شركات التكنولوجيا العملاقة تتنافس على تسريع انتشار الذكاء الاصطناعي داخل مختلف القطاعات، عبر تقديم خدمات بأسعار منخفضة للغاية لجذب المستخدمين، بدأت المعادلة الاقتصادية تتغير تدريجيا مع ارتفاع الطلب على البنية التحتية الحاسوبية اللازمة لتشغيل النماذج المتقدمة. وأصبحت تكلفة تشغيل هذه الأنظمة أحد أكبر التحديات التي تواجه المؤسسات الساعية إلى دمج الذكاء الاصطناعي في عملياتها اليومية.

 

ويرى خبراء في القطاع أن مرحلة "الذكاء الاصطناعي المدعوم" أو منخفض التكلفة تقترب من نهايتها، بعدما اضطرت الشركات المطورة للنماذج الكبرى إلى مراجعة سياساتها التسعيرية بما يتناسب مع حجم الموارد الحاسوبية المطلوبة لتشغيل الخدمات. ويأتي ذلك في ظل تزايد الاعتماد على ما يعرف بوكلاء الذكاء الاصطناعي، وهي أنظمة قادرة على تنفيذ مهام متعددة بصورة مستقلة، بدلا من الاكتفاء بالإجابة عن الأسئلة أو توليد النصوص.

 

وكلاء الذكاء الاصطناعي يرفعون فاتورة التشغيل


وخلافا للاستخدامات التقليدية لروبوتات المحادثة، تعتمد الوكلاء الذكية على تنفيذ سلسلة من العمليات المتداخلة التي قد تتطلب تشغيل عدة نماذج في وقت واحد. ففي بعض الحالات، يتم تقسيم المهمة الواحدة إلى عدد من الخطوات الفرعية، يتولى كل وكيل تنفيذ جزء منها، قبل أن تقوم أنظمة أخرى بجمع النتائج ومراجعتها والتحقق من صحتها.

 

هذا النموذج التشغيلي يؤدي إلى استهلاك كميات ضخمة من القدرة الحاسوبية، ويضاعف أعداد "الرموز" أو وحدات المعالجة التي تعتمد عليها شركات الذكاء الاصطناعي في احتساب التكلفة. ونتيجة لذلك، أصبحت بعض المهام التي تبدو بسيطة للمستخدم النهائي تستهلك موارد تفوق بعشرات المرات ما كان مطلوبا سابقا لتقديم إجابة عبر روبوت دردشة تقليدي.

 

ويأتي هذا التطور في وقت تعاني فيه الأسواق العالمية من ضغوط متزايدة على مراكز البيانات ومصانع أشباه الموصلات، بسبب الارتفاع الهائل في الطلب على المعالجات المتخصصة المستخدمة في تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع تكاليف الوصول إلى البنية التحتية الرقمية التي تشكل العمود الفقري لهذه التكنولوجيا.

 

شركات كبرى تعيد تقييم استثماراتها


وأمام هذا الواقع الجديد، بدأت مؤسسات عالمية بارزة في مراجعة سياساتها المتعلقة باستخدام الذكاء الاصطناعي. وتشير تقارير إلى أن شركات مثل Target وStarbucks وUber باتت أكثر حذرا في توسيع نطاق استخدام هذه الأدوات، بعد اكتشاف أن بعض التطبيقات لا تحقق عائدا اقتصاديا يبرر تكلفتها المرتفعة.

 

ويؤكد خبراء استشاريون أن العديد من الشركات لاحظت أن الإفراط في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي داخل بيئة العمل قد يؤدي في بعض الأحيان إلى تكاليف تتجاوز قيمة رواتب الموظفين الذين يفترض أن تساعدهم هذه الأدوات على رفع الإنتاجية، وهو ما دفع الإدارات إلى فرض ضوابط أكثر صرامة على استخدام التقنيات الجديدة.

 

ميتا تتراجع عن الاستخدام غير المنضبط


ولم تقتصر المراجعات على الشركات التقليدية فقط، بل امتدت إلى شركات التكنولوجيا العملاقة نفسها. فقد شهدت شركة Meta تحولا ملحوظا في نهجها تجاه استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، بعدما كانت من أبرز الداعمين لفكرة توسيع الاعتماد على هذه التقنيات داخل بيئة العمل.

 

وتشير تقارير إعلامية إلى أن إدارة الشركة بدأت تدعو موظفيها إلى استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي عند الحاجة الفعلية فقط، بدلا من توظيفها في كل المهام بصورة تلقائية، في خطوة تعكس تزايد القناعة بضرورة تحقيق توازن بين الفوائد التشغيلية والتكاليف المالية.

 

البحث عن بدائل أقل تكلفة


ومع تنامي الضغوط الاقتصادية، تتجه الشركات بشكل متزايد نحو حلول بديلة تعتمد على نماذج أصغر حجما وأقل استهلاكا للموارد. وتشهد النماذج مفتوحة المصدر إقبالا متزايدا، إذ تتيح للمؤسسات إمكانية تشغيل أدوات الذكاء الاصطناعي محليا دون الحاجة إلى الاعتماد الكامل على الخدمات السحابية المكلفة.

 

كما برزت خلال الفترة الأخيرة نماذج متخصصة تم تطويرها لتلبية احتياجات قطاعات بعينها مثل الخدمات المالية والعقارات والرعاية الصحية، بدلا من استخدام النماذج العملاقة المصممة لتغطية جميع الاستخدامات الممكنة. ويمنح هذا التوجه الشركات قدرة أكبر على خفض التكاليف وتحقيق كفاءة تشغيلية أعلى.

 

ويؤكد مختصون أن تقسيم المهام بين عدة نماذج صغيرة ومتخصصة يمكن أن يؤدي إلى خفض النفقات بصورة كبيرة مقارنة بالاعتماد على نموذج ضخم واحد لتنفيذ جميع العمليات. ففي بعض الحالات، يمكن تقليص تكلفة المعالجة من دولارات عدة لكل مليون رمز إلى بضعة سنتات فقط، وهو فارق كبير بالنسبة للمؤسسات التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي بشكل يومي وعلى نطاق واسع.

 

معركة جديدة في سوق الذكاء الاصطناعي


وتشير هذه التحولات إلى أن سوق الذكاء الاصطناعي يدخل مرحلة أكثر نضجا، حيث لم يعد التركيز منصبا فقط على قوة النماذج وقدراتها، بل أصبح يدور أيضا حول كفاءة التشغيل والعائد الاقتصادي. ويرى محللون أن المنافسة المستقبلية قد تنتقل من تطوير النماذج نفسها إلى تطوير منصات قادرة على اختيار النموذج الأنسب لكل مهمة بأقل تكلفة ممكنة.

 

وفي هذا السياق، تتنافس شركات ناشئة ومتخصصة مع عمالقة التكنولوجيا والحوسبة السحابية لتقديم حلول إدارة وتنسيق النماذج والوكلاء الذكيين. كما تواصل شركات مثل Amazon وAnthropic وOpenAI وGoogle توسيع عروضها عبر توفير مستويات متعددة من النماذج تختلف من حيث الأداء والتكلفة.

 

مستقبل السوق بين الكفاءة والأداء


ورغم التوجه المتزايد نحو تقليل النفقات، لا يتوقع الخبراء أن يؤدي ذلك إلى تراجع مكانة النماذج الأكثر تقدما أو فقدان الشركات الكبرى لحصصها السوقية. فهناك شريحة واسعة من المستخدمين والمؤسسات لا تزال مستعدة لدفع مبالغ أكبر مقابل الحصول على أفضل مستويات الأداء والدقة والقدرات المتقدمة.

 

وبينما تستمر ثورة الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل الاقتصاد الرقمي العالمي، يبدو أن المرحلة المقبلة ستكون محكومة بمعادلة جديدة تجمع بين الابتكار والكفاءة المالية، حيث لن يكون السؤال الأهم هو مدى قوة النموذج فحسب، بل أيضا ما إذا كانت فوائده تستحق التكلفة التي يتطلبها تشغيله.