في الذكرى الثالثة عشر لتوقيع استمارة "تمرد" ضد الرئيس الشهيد الدكتور محمد مرسي عام 2013، أعاد نشطاء ومعارضون مصريون إحياء الفكرة ولكن بصورة ساخرة ومحمّلة بالغضب، عبر تدشين استمارة جديدة أطلقوا عليها اسم "تشرد". هذه المبادرة لم تأتِ في فراغ، بل تعكس حالة من السخط المتزايد لدى قطاعات من المصريين، الذين يرون أن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وصلت إلى مستويات غير مسبوقة من التدهور، شملت الفقر والجوع والمرض، وفق ما يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
أولاً: من "الاستمارة المهببة" إلى "تشرد".. مراجعات قاسية وسخرية لاذعة
فجّر هذا الجدل الناشط جمال والي، بعد نشره صورة قديمة له أثناء توقيعه على استمارة "تمرد" عام 2013، واصفاً إياها بـ"الاستمارة المهببة". وأوضح أن الاحتجاج آنذاك كان بسبب ارتفاع سعر أسطوانة البوتاجاز إلى 7 جنيهات، وسعر الدولار إلى 5 جنيهات، والخوف من وصول أسعار البنزين والسولار إلى 1.5 جنيه.
وأضاف في منشور قام بحذفه لاحقاً، أنه يسخر من نفسه ومن كل من شارك في التوقيع، قائلاً إنهم "شربوا المقلب"، مطالباً بأن يكون "أقل عقاب" لهم هو التوقيع على استمارة "تشرد".
http://https://www.facebook.com/MohammadMansyy/posts/10243698796865005?ref=embed_post
وفي السياق ذاته، كتب رئيس تحرير موقع "International Investigative Centre"، ناجي عباس، منشوراً تساءل فيه: "أيام مرسي كانت هناك استمارة (تمرد)، تفتكر ممكن نعمل إيه دلوقتي؟"، ليجيب بنفسه: "استمارة تشرد".
وطرح عباس نموذجاً ساخراً لاستمارة "تشرد"، أعلن فيها الموقعون "قبولهم الانتقال من خانة مواطنين إلى مشردين"، مع بنود تتضمن السخرية من غياب القانون، والموافقة على التعرض للاعتقال دون سبب، وتقبل الإهانة باعتبارها "إعادة تأهيل للمواطن".
كما تداول نشطاء آخرون دعوات مشابهة، مؤكدين أن الفكرة تأتي في إطار "السخرية كأداة مقاومة"، ومطالبين من وقعوا سابقاً على "تمرد" بالاعتراف بالخطأ والتوقيع على "تشرد".
http://https://www.facebook.com/abw.aldhyk.als.ydy/posts/122220267008293142?ref=embed_post
ثانياً: "تشرد" كمرآة للأزمة الاقتصادية والاجتماعية
يرى مراقبون أن انتشار فكرة "تشرد" يعكس حالة أعمق من مجرد سخرية، حيث اعتبر الدكتور سعيد عفيفي أن الفكرة تعبّر عن شعب "على حافة المجاعة"، مستنداً إلى تقارير تتحدث عن ارتفاع نسب الفقر.
وأشار إلى أن ما يحدث هو نتيجة "فشل اقتصادي واضح"، حيث لا يشعر المواطن بأي تحسن فعلي رغم الخطاب الرسمي، معتبراً أن المشهد العام تحكمه "أبواق إعلامية لا تعكس الواقع".
وأضاف أن مفهوم "التشرد" في الدول الأخرى يقابله سياسات للحماية، بينما في الحالة المصرية – وفق رؤيته – هناك سياسات قد تؤدي إلى زيادته بدلاً من الحد منه، مؤكداً دعمه لأي وسيلة ترفع وعي الناس وتدفعهم للتحرك ضد الفساد.
ثالثاً: من تمرد 2013 إلى واقع 2026.. أرقام تكشف حجم التحول
ظهرت استمارة "تمرد" في أبريل 2013 بهدف سحب الثقة من الرئيس محمد مرسي، وزعمت أنها جمعت نحو 22 مليون توقيع، بدعم من قوى سياسية ومؤسسات رسمية.
لكن بعد أكثر من عقد، تشير المؤشرات الاقتصادية إلى تحولات حادة؛ حيث ارتفع التضخم من 9% عام 2013 إلى مستويات تجاوزت 34% في 2023-2024، قبل أن يسجل نحو 14.9% حالياً.
كما تراجع سعر الجنيه من نحو 7 جنيهات للدولار إلى حوالي 53 جنيهاً، بعد عدة قرارات تعويم، ما أدى إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين.
وفي ملف الديون، ارتفع الدين الخارجي من 43.2 مليار دولار عام 2013 إلى نحو 163.9 مليار دولار بحلول 2025، مع استمرار التزامات السداد لصندوق النقد الدولي.
وشهدت أسعار الوقود زيادات متتالية، حيث ارتفع سعر البنزين والسولار عدة أضعاف مقارنة بعام 2013، بالتوازي مع توجه الحكومة لتقليص الدعم، بما في ذلك الدعم التمويني.
ويرى عفيفي أن المعيار الحقيقي لنجاح أي نظام هو الوضع الاقتصادي للمواطن، متسائلاً عما إذا كان هناك تحسن فعلي في مستوى المعيشة خلال السنوات الماضية، ومشيراً إلى أن الإجابة "يعرفها كل مصري".
كما طرح تساؤلات حول ملف الديون، وما إذا تم تقليلها أم تضخمت، مؤكداً أن تحميل الأجيال القادمة أعباء متزايدة يثير مخاوف كبيرة، خاصة مع مشروعات كبرى ممولة بقروض ضخمة.
واختتم بالتأكيد على أن أي حديث عن بناء الدولة يجب أن يسبقه "بناء الإنسان"، من خلال تحسين الصحة والتعليم ومستوى المعيشة، وليس عبر سياسات قد تؤدي إلى مزيد من الضغوط على المواطنين.
وأخيرا تعكس استمارة "تشرد" حالة من الغضب الشعبي المغلف بالسخرية، لكنها في جوهرها تعبير عن أزمة ثقة عميقة، وتحولات اقتصادية واجتماعية دفعت كثيرين إلى إعادة تقييم ما حدث منذ 2013، وطرح تساؤلات مفتوحة حول المستقبل.

