أعلنت تقارير ميدانية، السبت، عن أزمة حادة في السيولة النقدية على مستوى العديد من المحافظات المصرية ومنها محافظة الجيزة ، حيث شهدت شوارع العجوزة والدقي توافد المواطنين خلال أول أيام إجازة عيد الأضحى أمام ماكينات الصراف الآلي مع قلة توافر الأموال، فيما أظهرت جولة شملت 22 ماكينة صرف أن خمس ماكينات فقط كانت تعمل بشكل طبيعي، ما خلق ازدحاماً كبيراً وطوابير طويلة أمام كل ماكينة.
وترتبط هذه الأزمة بالسياسات المصرفية الحكومية والتأخير في إعادة تغذية الماكينات، بالإضافة إلى تبكير صرف المعاشات ومرتبات القطاع العام قبل العيد، وهو ما أدى إلى ضغط كبير على السيولة المتاحة، في وقت يعاني فيه المواطنون من ضغوط اقتصادية متزايدة نتيجة التضخم وارتفاع الأسعار، ما يعكس هشاشة إدارة الموارد النقدية خلال فترات الذروة.
إقبال كثيف على ماكينات الصراف ونقص السيولة
لاحظ المواطنون خلال الأيام التي سبقت عيد الأضحى نقصاً شديداً في الأموال المتاحة داخل ماكينات الصرف الآلي، وأفاد نشطاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي بانتظار طويل أمام الماكينات الفارغة، في وقت ارتفع فيه معدل السحب اليومي إلى نحو 9 مليارات جنيه من بنك واحد فقط خلال يومين، أي أكثر من ضعف المعدل المعتاد البالغ بين 2 و4 مليارات جنيه.
وأشار النائب أشرف سعد في بيان عاجل بمجلس النواب إلى أن أزمة نقص السيولة تفاقمت بسبب العدد المحدود للماكينات وتوزيعها غير المتكافئ، حيث توجد محافظات بعيدة تضم قرى بلا أي ماكينة صرف، ما يزيد معاناة المواطنين ويدفعهم إلى انتظار ساعات طويلة أمام الماكينات أو البحث عن بدائل محدودة لسحب أموالهم.
كما أضاف محمد الإتربي، رئيس اتحاد البنوك المصري، أن الضغط على ماكينات الصرف نتيجة تزامن صرف المعاشات ومرتبات العاملين في القطاع العام مع إجازة عيد الأضحى أدى إلى تفاقم أزمة السيولة، وهو ما خلق ازدحاماً غير مسبوق على ماكينات الصرف الآلي في جميع أنحاء الجمهورية.
ضعف التخطيط والتوزيع يفاقم الأزمة
أكد خبراء الاقتصاد مثل محمد أنيس، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع، أن الأزمة المتكررة تعكس ضعف استعداد البنوك للتعامل مع زيادة الطلب خلال فترات العيد، مشيراً إلى أن نمط سحب المرتبات والمعاشات معروف شهرياً وكان يجب أن يكون هناك خطط مسبقة لتغذية الماكينات بشكل كافٍ.
وأشار الدكتور هشام إبراهيم، أستاذ التمويل بجامعة القاهرة، إلى أن ماكينات الصرف مرتفعة التكلفة، مما يدفع البنوك للتوسع فيها وفق خطط استثمارية محددة لكل بنك، وليس وفق الطلب الفعلي، ما يجعل عدد الماكينات ونقاط توزيعها غير متناسب مع حجم المواطنين المستفيدين من المعاشات والمرتبات.
كما شدد الخبير محمد الفقي على أن إدارة وتشغيل الماكينات في المناطق النائية يمثل عبئاً تشغيلياً كبيراً للبنوك، مؤكداً أن التوسع الكبير في عدد الماكينات دون دراسة دقيقة للاحتياجات قد يزيد من المشاكل بدلاً من حلها، ويضع البنك المركزي أمام مسؤولية متابعة أداء شركات تغذية وصيانة الماكينات على مدار الساعة.
أثر التضخم والاقتصاد غير الرسمي على السيولة
أكد رضا عبد السلام، عضو مجلس النواب المصري، أن أزمة السيولة تتجاوز الإدارة النقدية إلى تأثير التضخم على قيمة الجنيه المصري، ما يدفع المواطنين لمضاعفة ما يسحبونه من البنوك لتلبية احتياجاتهم اليومية، وهو مؤشر خطر يعكس الضغوط الاقتصادية المستمرة على الأسر.
كما أشار محمد أنيس إلى أن استمرار الاعتماد على النقد في الاقتصاد المصري يعقد عملية الانتقال إلى المدفوعات الرقمية، إذ لا يزال الكثيرون يسحبون النقود لإعادة إنفاقها نقداً في ظل انتشار الاقتصاد غير الرسمي، الذي يشكل نحو 29 إلى 32 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وقد يصل إلى 40 بالمئة وفق تقديرات صندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
وأضاف أن حجم الاقتصاد غير الرسمي يشمل ملايين العمال والمنشآت الاقتصادية غير المسجلة، وهو ما يعزز الحاجة إلى توفر سيولة نقدية كافية خلال فترات الذروة لضمان سير النشاط الاقتصادي دون تعطيل المواطنين عن أعمالهم اليومية.
جهود البنك الأهلي المصري وتوجيهات المركزي
أعلن البنك الأهلي المصري خطة بديلة تتيح سحب الأموال من محطات الوقود المنتشرة على مستوى الجمهورية، في محاولة لتخفيف الاعتماد على ماكينات الصرف الآلي، في خطوة تهدف إلى تقليل الازدحام خلال أيام العيد.
من جهته، طالب النائب أشرف سعد البنك المركزي بفرض تعليمات صارمة على شركات نقل الأموال والصيانة لضمان عمل الماكينات على مدار الساعة، خصوصاً خلال أوقات الذروة، وأكد أن الشركات تتحمل مسؤولية التأخير في إعادة تغذية الماكينات، ما يعكس خللاً في الرقابة والإدارة لم يراعِ حجم الطلب الفعلي.
كما شدد خبراء الاقتصاد على ضرورة تنسيق أوقات الصرف مع حجم السيولة المتاحة وتوزيع الماكينات بشكل أكثر عدالة لتقليل الضغط على المواطنين وتجنب ازدحام الطوابير الطويلة، خصوصاً في القرى والمناطق النائية.
وفي المحصلة تعكس أزمة السيولة النقدية في أول أيام عيد الأضحى هشاشة إدارة البنوك للبنية التحتية المالية، وتوضح تأثير التضخم والاعتماد على النقد في الاقتصاد المصري، فيما يضع الضغط المتكرر على ماكينات الصرف مسؤولية مباشرة على البنك المركزي وشركات تغذية الصرافات لضمان توفير السيولة وتخفيف المعاناة عن المواطنين خلال الأعياد وفترات الذروة الاقتصادية.

