ترصد الكاتبة لينا جرادات التحولات التي شهدتها أسواق الماشية في مصر مع اقتراب عيد الأضحى، حيث تحولت الأضحية بالنسبة لكثير من الأسر من شعيرة موسمية معتادة إلى عبء مالي متزايد. وأدت موجات التضخم وارتفاع أسعار اللحوم والماشية وتقلبات سعر الصرف إلى تراجع قدرة المواطنين الشرائية، ما دفع كثيرين إلى تقليص مشترياتهم أو اللجوء إلى الاشتراك في الأضاحي أو البحث عن بدائل أقل تكلفة.
وأوضحت مجلة المجلة أن أزمة ارتفاع أسعار الأضاحي لا ترتبط بالموسم الديني فقط، بل تعكس تحديات أعمق تواجه الاقتصاد المصري، أبرزها الاعتماد الكبير على الواردات وارتفاع تكاليف الإنتاج والأعلاف وتأثر سلاسل الإمداد العالمية بالتوترات الإقليمية، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على أسعار الغذاء واللحوم.
التضخم والأعلاف يضغطان على سوق اللحوم
يرجع خبراء جذور الأزمة إلى الفجوة المستمرة بين الإنتاج المحلي والطلب المتزايد على اللحوم، إلى جانب اعتماد قطاع الثروة الحيوانية على الأعلاف المستوردة، خاصة الذرة وفول الصويا. ويؤدي أي اضطراب في سلاسل التوريد أو أي ارتفاع في سعر الدولار إلى زيادة فورية في تكاليف التربية والإنتاج، الأمر الذي ينعكس على أسعار الماشية واللحوم في الأسواق.
كما تواجه الثروة الحيوانية تحديات أخرى تشمل ارتفاع تكاليف الرعاية البيطرية وضعف السلالات الإنتاجية في بعض المناطق. وتكشف المفارقة الحالية عن أن بعض الأضاحي المستوردة التي توفرها الجمعيات الخيرية أصبحت أقل تكلفة من نظيراتها المحلية، وهو ما يسلط الضوء على حجم الضغوط التي تواجه المنتج المحلي.
وانخفضت كذلك التبرعات المرتبطة بالأضاحي نتيجة تراجع القدرة الشرائية للأسر، في حين انتشرت برامج التقسيط والعروض التمويلية التي تسمح للمواطنين بشراء الأضاحي على فترات سداد ممتدة، في محاولة لتخفيف الأعباء المالية المتزايدة.
الأمن الغذائي يواجه تحديات هيكلية
يرى اقتصاديون أن الأزمة الحالية تكشف اختلالًا في أولويات الإنفاق العام، حيث تتجه استثمارات ضخمة إلى مشروعات البنية التحتية طويلة الأجل، بينما لا يحصل قطاعا الزراعة والإنتاج الحيواني على الدعم الكافي الذي يضمن زيادة الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الخارج.
وتحذر بعض التقديرات من أن الأمن الغذائي المصري ما زال عرضة لتقلبات العملة الأجنبية وقرارات الموردين الدوليين. كما أسهمت عوامل أخرى في تعقيد المشهد، من بينها التوسع العمراني على حساب الأراضي الزراعية وتفتت الحيازات الزراعية، الأمر الذي صعّب إنشاء مشروعات متكاملة للإنتاج الحيواني.
وفي هذا السياق، تسعى الحكومة إلى تعزيز الأمن الغذائي عبر مشروعات استصلاح الأراضي والتوسع الزراعي. ويعد مشروع الدلتا الجديدة أحد أبرز هذه المشروعات، إذ يستهدف زيادة الرقعة الزراعية ودعم إنتاج الغذاء على المدى الطويل.
البحر الأحمر والتوترات الإقليمية يرفعان التكاليف
ترتبط أزمة الأضاحي أيضًا بالتوترات الجيوسياسية في منطقة البحر الأحمر ومضيق باب المندب. فقد دفعت الاضطرابات التي شهدتها خطوط الملاحة العديد من شركات الشحن إلى استخدام مسارات أطول حول القارة الأفريقية، ما أدى إلى زيادة تكاليف النقل والتأمين وإطالة زمن الشحن.
وانتقلت هذه الزيادات تدريجيًا عبر حلقات سلسلة الإمداد حتى وصلت إلى المستهلك النهائي. كما دفعت حالة عدم اليقين بعض التجار إلى اعتماد سياسات تسعير أكثر تحفظًا تحسبًا لأي تطورات جديدة في الأسواق العالمية.
ويتوقع خبراء أن تنخفض أعداد الأضاحي هذا العام مقارنة بحجم الطلب التقليدي، نتيجة ارتفاع الأسعار واستمرار الضغوط التضخمية. ومع ذلك، لا يزال البعد الديني والاجتماعي للأضحية يحافظ على مستوى من الطلب، إذ تلجأ الأسر إلى حلول مختلفة مثل شراء أضاحٍ أصغر حجمًا أو المشاركة في الأضحية الواحدة.
ويجمع المتخصصون على أن معالجة أزمة ارتفاع أسعار الأضاحي تتطلب استراتيجية طويلة الأمد تتجاوز الرقابة الموسمية على الأسواق، عبر تعزيز الإنتاج الزراعي والحيواني المحلي، وتوسيع زراعة الأعلاف، ودعم المربين، وتقليل الاعتماد على الواردات، بما يعزز الأمن الغذائي ويمنح السوق المحلية قدرة أكبر على مواجهة الأزمات الاقتصادية والتقلبات العالمية.
https://en.majalla.com/node/331267/business-economy/how-inflation-and-politics-drove-eid-sacrifices-costs-egypt

