أعلنت الأسواق العالمية صعود أسعار الذهب بأكثر من 76 دولارًا للأوقية في تداولات فورية عقب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من واشنطن بدء إجراءات رفع الحصار البحري عن مضيق هرمز بما دفع السعر إلى نحو 4572 دولارًا محققًا مكاسب إجمالية تتجاوز 224 دولارًا خلال أقل من 24 ساعة وهو ما أعاد تشكيل اتجاهات المستثمرين بشكل سريع نحو الملاذات الآمنة.
تعكس هذه القفزة المفاجئة حالة ارتباك حقيقية داخل الأسواق المالية العالمية حيث لم تؤد تصريحات التهدئة الأمريكية إلى استقرار فعلي بل فتحت بابًا جديدًا للمضاربات المرتبطة بالمخاطر السياسية وهو ما يكشف هشاشة التوازن القائم بين القرار السياسي وحركة رأس المال في ظل غياب يقين حقيقي حول مستقبل التوتر بين واشنطن وطهران.
الذهب يقفز بفعل قرارات سياسية لا تعكس استقرارًا فعليًا
جاء ارتفاع الذهب بشكل مباشر عقب إعلان ترامب عبر منصة تروث سوشيال بدء رفع القيود عن الملاحة في مضيق هرمز مع السماح للسفن العالقة باستئناف حركتها وهو ما اعتبرته الأسواق إشارة مزدوجة تحمل تهدئة شكلية ومخاطر غير محسومة في الوقت ذاته.
في المقابل لم تتعامل الأسواق مع القرار باعتباره نهاية للأزمة بل كمرحلة انتقالية مفتوحة على احتمالات متعددة حيث دفع الغموض المحيط بشروط التنفيذ المستثمرين إلى زيادة الطلب على الذهب كأداة تحوط ضد أي تصعيد مفاجئ.
كما تضمنت تصريحات ترامب شروطًا تتعلق بإيران من بينها منع تطوير السلاح النووي وفتح الممر الملاحي أمام حركة غير مقيدة وهو ما أضاف عنصر ضغط سياسي جديد قد يعيد التوتر في أي لحظة حال تعثر تنفيذ هذه الشروط.
في السياق ذاته يرى متعاملون أن هذه التصريحات لم تقدم ضمانات واضحة بقدر ما خلقت حالة ترقب دفعت رؤوس الأموال إلى التحرك سريعًا نحو الأصول الآمنة بدلًا من المخاطرة في الأسواق المرتبطة بالطاقة أو التجارة.
وبالتالي سجل الذهب مكاسب سريعة تعكس تحركًا دفاعيًا من المستثمرين وليس ثقة في استقرار المشهد وهو ما يفسر الارتفاع الحاد خلال فترة زمنية قصيرة مقارنة بجلسات التداول السابقة.
المضاربات تقود السوق وسط توقعات بمستويات قياسية جديدة
تزامن صعود الذهب مع نشاط ملحوظ في عمليات المضاربة داخل أسواق المعادن حيث استغل المستثمرون حالة الغموض لفتح مراكز شرائية مكثفة دفعت الأسعار إلى مستويات مرتفعة خلال وقت محدود.
في هذا الإطار يتوقع عدد من خبراء الأسواق أن يعيد الذهب اختبار مستوى 4800 دولار للأوقية خلال الأسبوع المقبل إذا استمرت حالة عدم اليقين السياسي دون حلول واضحة أو التزام فعلي بالشروط المعلنة.
كما ساهمت الارتفاعات السريعة في جذب مزيد من السيولة إلى السوق وهو ما عزز من زخم الصعود رغم غياب مؤشرات اقتصادية تقليدية تدعم هذه القفزة.
على جانب آخر يرى متعاملون أن السوق باتت تعتمد بشكل متزايد على الأخبار السياسية أكثر من المؤشرات الاقتصادية وهو ما يزيد من حدة التقلبات ويجعل الأسعار عرضة لتحركات مفاجئة.
كذلك دفعت هذه البيئة المضاربية بعض المستثمرين إلى التعامل بحذر مع احتمالات التصحيح السعري خاصة في حال ظهور مؤشرات على تهدئة حقيقية في المنطقة خلال الأيام المقبلة.
ضغوط الاقتصاد الكلي تحد من مكاسب الذهب رغم استمرار الطلب
رغم هذا الصعود القوي لا تزال عوامل الاقتصاد الكلي تفرض ضغوطًا معاكسة على الذهب في مقدمتها ارتفاع أسعار النفط التي تجاوزت 100 دولار للبرميل منذ تصاعد التوترات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران.
في هذا السياق أدى ارتفاع النفط إلى زيادة المخاوف من موجة تضخم عالمية جديدة وهو ما يدفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على سياسات نقدية متشددة لفترة أطول.
عادة تؤثر هذه السياسات سلبًا على الذهب باعتباره أصلًا لا يدر عائدًا مقارنة بالأدوات المالية الأخرى التي تستفيد من ارتفاع أسعار الفائدة.
إلى جانب ذلك ساهم ارتفاع مؤشر الدولار الأمريكي في زيادة الضغوط على المعدن النفيس حيث يؤدي صعود الدولار إلى رفع تكلفة شراء الذهب بالنسبة لحائزي العملات الأخرى.
ورغم ذلك حافظ الطلب على الذهب على زخمه مدفوعًا بحالة عدم اليقين الجيوسياسي وهو ما خلق توازنًا هشًا بين عوامل الصعود والضغط داخل السوق.
كما بقيت الأسعار الحالية دون مستوياتها القياسية التاريخية التي سجلتها في وقت سابق من العام عندما اقتربت من مستويات أعلى بنحو ألف دولار للأوقية وهو ما يعكس استمرار وجود هامش صعود محتمل.
في المقابل امتد تأثير الاضطرابات إلى باقي المعادن النفيسة حيث سجلت الفضة ارتفاعًا ملحوظًا لتصل إلى نحو 75.81 دولارًا للأوقية مدعومة بتوقعات تحسن النشاط الصناعي العالمي.
وبالتالي تعكس هذه التحركات صورة أوسع لسوق المعادن التي تتحرك حاليًا تحت تأثير مزيج معقد من العوامل السياسية والاقتصادية في وقت واحد.
في النهاية تكشف القفزة الحالية في أسعار الذهب عن سوق تتحرك تحت ضغط الأخبار أكثر من الحقائق الاقتصادية وهو ما يضع المستثمرين أمام مرحلة عالية المخاطر تتطلب قراءة دقيقة للتطورات السياسية قبل اتخاذ أي قرارات مالية.

