فيما يلي النص بعد تصحيحه وتنقيحه، يليه جدول يوضح أبرز التعديلات التي تمت:
كشفت لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب أن المتأخرات المستحقة للخزانة العامة قفزت إلى 698.5 مليار جنيه في يونيو 2025، بعدما كانت 465.5 مليار جنيه في يونيو 2021؛ لتضع الحكومة أمام اتهام مباشر بالعجز عن تحصيل أموال الدولة من جهات تابعة لها.
وتأتي هذه الأرقام في وقت تطالب فيه الحكومة المواطنين بالمزيد من الضرائب والرسوم وترفع أعباء المعيشة، بينما تترك 698.5 مليار جنيه معلقة بين مصالح وهيئات وجهات حكومية، وهو ما يحول ملف المتأخرات من خلاف محاسبي إلى دليل على فساد إداري وغياب محاسبة داخل السلطة التنفيذية.
الحكومة تحصل من المواطنين وتترك ديونها داخل أجهزتها
وبحسب التقرير البرلماني، تستحوذ مصلحة الضرائب على النصيب الأكبر من المتأخرات، إذ بلغت الديون المستحقة لها نحو 398.3 مليار جنيه، بما يمثل أكثر من 57% من إجمالي الديون الحكومية غير المحصلة، وهو رقم يكشف خللًا فاضحًا في الجهة التي يُفترَض أن تقود عملية تحصيل موارد الدولة.
كما زادت متأخرات مصلحة الضرائب بنحو 127.5 مليار جنيه منذ يونيو 2021، بنسبة نمو تقارب 47%، وهو ما يعني أن الأزمة لم تظهر فجأة، بل تراكمت تحت نظر وزارة المالية والحكومة، دون إعلان خطة واضحة لتحصيل الأموال أو محاسبة المسؤولين عن تركها تتضخم.
وتقول وزارة المالية إن نحو 327.6 مليار جنيه من هذه الديون متنازع عليها بين مصلحة الضرائب والخزانة العامة، لكن هذا الرد لا يعفي الحكومة من المسؤولية؛ لأن الجهتين داخل الدولة نفسها، والخلاف بينهما يكشف ضعف الإدارة المالية، لا صعوبة قانونية خارجة عن سيطرة السلطة.
ويربط الدكتور زياد بهاء الدين، نائب رئيس الوزراء الأسبق، أزمة الضرائب في مصر بضعف التحصيل واتساع فجوة الثقة بين الدولة والممولين، وهو ما يمنح هذه الأرقام معناها السياسي؛ لأن الحكومة تملك أدوات الجباية على المواطنين لكنها تبدو عاجزة أمام ملفاتها الداخلية المتراكمة.
لذلك لا يظهر ملف مصلحة الضرائب كرقم فني داخل الحساب الختامي، بل يظهر كمرآة لطريقة إدارة المال العام؛ حيث تضغط الحكومة على الأفراد والقطاع الخاص، بينما تتسامح مع متأخرات بمئات المليارات داخل جهازها، ثم تعيد تحميل العجز على المواطنين عبر الضرائب والأسعار.
القضاء والجمارك والضرائب العقارية يكشفون فشل التنسيق الحكومي
في محور آخر، كشف التقرير ارتفاع المتأخرات المستحقة على الهيئات القضائية والنيابات من 60 مليار جنيه في مارس 2019 إلى نحو 112.9 مليار جنيه في يونيو 2025، بنسبة زيادة تقارب 88%، وبما يمثل 16.1% من إجمالي الديون الحكومية المتأخرة.
وتبرر وزارة المالية هذه المتأخرات بطبيعة التحصيل القضائي، خاصة الرسوم غير المحصلة في القضايا الغيابية أو الحالات التي يصعب تنفيذ الأحكام فيها، إضافة إلى قضايا تخص أجانب لا يمتلكون أصولًا داخل البلاد، لكن هذا التبرير يطرح سؤالًا عن غياب آلية مبكرة لمنع تراكم الرسوم.
ثم تظهر مصلحتا الجمارك والضرائب العقارية في الصورة برقم جديد، إذ بلغت المتأخرات المستحقة عليهما نحو 67.6 مليار جنيه، موزعة بين 58.4 مليار جنيه على الجمارك، و9.2 مليار جنيه على الضرائب العقارية، وهي مبالغ تعكس ضعف التحصيل في منافذ الإيراد المباشرة للدولة.
وبذلك لا يمكن للحكومة أن تقدم أزمة المتأخرات باعتبارها نزاعًا محاسبيًا محدودًا؛ لأن القطاعات المدينة تشمل الضرائب والقضاء والجمارك والضرائب العقارية، أي أنها تمس قلب منظومة الإيرادات والرسوم، وتكشف فشل التنسيق بين وزارة المالية والجهات التي تتعامل يوميًا مع المال العام.
ويؤكد خبير الموازنات والسياسات المالية عبد النبي عبد المطلب، في قراءته لأوضاع الموازنة، أن المشكلة لا ترتبط بالأرقام الكبيرة فقط، بل بغياب أدوات التنفيذ، وهذا التقدير ينسجم مع ملف المتأخرات؛ لأن الدولة تعلن مستهدفات مالية ضخمة ثم تفشل في تحصيل مستحقات مؤكدة داخل أجهزتها.
وعندما تعجز الحكومة عن تحصيل هذه الأموال، فإنها لا تفقد رقمًا في جدول الحساب الختامي فقط، بل تفقد موردًا كان يمكن أن يقلل الاقتراض أو يخفف الضغط على الخدمات، بينما يستمر المواطن في دفع ثمن إدارة مالية لا تحاسب المسؤول المقصر داخل الجهاز الحكومي.
صحف وشركات وجهات حكومية مدينة والدولة لا تحاسب نفسها
وفي ملف الصحف القومية وشركات القطاع العام وقطاع الأعمال العام، أشار التقرير إلى متأخرات ضريبية بقيمة 38.2 مليار جنيه، تشمل 12.7 مليار جنيه على الصحف القومية، و25.5 مليار جنيه على الشركات الحكومية، وهو رقم يفتح باب السؤال عن علاقة الدولة بمؤسسات تملكها أو تهيمن عليها.
كما تكشف البيانات وجود 119.5 مليار جنيه متأخرات على جهات أخرى داخل الدولة، منها: 52.7 مليار جنيه على الحسابات المركزية ووزارة المالية، و17.7 مليار جنيه على وحدات الجهاز الإداري، و17.5 مليار جنيه على الإدارة المحلية، و31.5 مليار جنيه على الهيئات العامة الخدمية.
وهنا تصبح وزارة المالية جزءًا من السؤال لا مجرد جهة ترد على البرلمان؛ لأن التقرير يضع الحسابات المركزية ووزارة المالية ضمن الجهات التي ترتبط بها متأخرات كبيرة، وهذا يضرب رواية الحكومة عن الانضباط المالي، ويحولها إلى خطاب لا يطابق أرقام الحساب الختامي.
وتمنح قراءة الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني للموازنة المصرية خلفية مهمة لهذه الأزمة، إذ يرى أن الديون تلتهم الموازنة وأن الأعباء تنتقل إلى الفقراء والطبقة الوسطى، ومع وجود 698.5 مليار جنيه غير محصلة، يظهر أن الحكومة تطارد المجتمع بدلاً من أن تبدأ بتنظيف دفاترها.
لذلك يبدو السؤال المركزي واضحًا: مَن المسؤول عن ترك هذه المليارات داخل المصالح والهيئات والجهات الحكومية؟ هل هي وزارة المالية التي تدير الحصيلة، أم الجهات المدينة التي لا تسدد، أم الحكومة التي لا تحاسب القيادات، أم البرلمان الذي يرصد الأزمة ثم يكتفي بالتوصيات؟
وفي النهاية، لا يكفي أن تعلن الحكومة استمرار جهودها لضبط المالية العامة؛ لأن الحساب الختامي يكشف عكس ذلك بالأرقام، فدولة تترك 698.5 مليار جنيه متأخرات داخل أجهزتها لا تواجه أزمة تحصيل فقط، بل تواجه أزمة مسؤولية وحوكمة وفساد إداري يحتاج إلى مساءلة علنية.

