أعلنت حكومة الانقلاب في محافظة الجيزة افتتاح مشروع الدلتا الجديدة للتنمية المتكاملة على مساحة 2.2 مليون فدان، وباستثمارات معلنة تقترب من 800 مليار جنيه، بحضور قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء مصطفى مدبولي وقيادات جهاز مستقبل مصر، لتقديم المشروع بوصفه بوابة جديدة للأمن الغذائي.
وتكشف طريقة طرح الحكومة للمشروع أن الاحتفال سبق المساءلة العامة عن كلفة المياه والأرض والطاقة، لأن رقعة زراعية بهذا الحجم داخل الصحراء الغربية لا تختبر قدرة الدولة على شق الطرق فقط، بل تختبر صدق الإدارة في بلد يعيش ندرة مائية ثابتة ويستورد جزءا كبيرا من غذائه.
أرقام الافتتاح تكشف مشروعا ضخما بلا كشف كامل للجدوى
بعد الافتتاح، ظهرت الأرقام الرسمية في صورة مشروع يتجاوز حدود الاستصلاح التقليدي، إذ تحدثت الدولة عن 12 ألف كيلومتر من الطرق الرئيسية والفرعية، و100 ألف برج كهرباء، و19 محطة رفع رئيسية، وقدرة كهربائية تقارب 2000 ميجاوات لخدمة زراعة واسعة داخل الصحراء.
وبحسب البيانات الحكومية، يمتد المشروع عبر نطاقات مرتبطة بمطروح والبحيرة والجيزة والفيوم، ويقوم على مساحة مستهدفة تبلغ 2.2 مليون فدان قابلة للزيادة إلى 2.8 مليون فدان، بينما حددت الدولة مايو 2027 موعدا لاستكمال مراحل كبيرة من البنية الزراعية والإنتاجية.
غير أن ضخامة الأرقام لا تعفي الحكومة من نشر دراسة جدوى كاملة، لأن تكلفة الفدان التي تدور بين 350 ألفا و400 ألف جنيه تضع المشروع في خانة الاستثمارات العامة الثقيلة، وتفرض على السلطة كشف العائد المتوقع ومصادر التمويل وكلفة التشغيل السنوية قبل مطالبة المواطنين بالتصفيق.
وفي هذا السياق، قال الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، إن إضافة نحو 2 مليون فدان تعني زيادة تقترب من ربع المساحة المزروعة الحالية، وربط المشروع بسد فجوة غذائية مكلفة، لكنه أشار أيضا إلى أن الدول لا تحقق اكتفاء كاملا من كل المحاصيل.
لذلك تبدو رواية الاكتفاء الذاتي ناقصة عندما تعرضها الحكومة من زاوية الإنجاز فقط، لأن القمح والذرة وبنجر السكر والخضروات والفاكهة تحتاج إلى مياه مستمرة وأسعار تشغيل مستقرة وسلاسل نقل وتخزين، بينما لا تنشر الدولة حسابا عاما يوضح متى يصبح الفدان رابحا لا عبئا.
مصادر المياه تنقل العجز ولا تصنع موردا جديدا
ثم تأتي عقدة المياه باعتبارها قلب المشروع لا هامشه، فالمسار الشرقي المعروف بقناة تحيا مصر ينقل نحو 10 ملايين متر مكعب يوميا من فرع رشيد، بينما يعتمد المسار الشمالي على مياه الصرف الزراعي والصحي المعالجة عبر ترعة الحمام ومحطة معالجة بطاقة تقارب 7.5 مليون متر مكعب يوميا.
وتقول الحكومة إن المعالجة الثلاثية تجعل المياه صالحة للزراعة، لكن هذا الطرح لا يغير حقيقة أن المشروع لا يخلق موردا مائيا جديدا، بل يعيد تدوير مياه خرجت من الدورة الزراعية القديمة أو يسحب جزءا من مورد نيلي ثابت، وهو ما يضع الدلتا القديمة داخل معادلة منافسة مكتومة.
وفي تقدير الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، يعتمد المشروع على 3 مصادر رئيسية هي مياه النيل ومياه الصرف الزراعي المعالجة والمياه الجوفية، وقد وصف المساحة البالغة 2.2 مليون فدان بأنها تحد ضخم في ظل محدودية الموارد المائية.
ولهذا يصبح السؤال العملي أكثر قسوة من لغة الاحتفال، لأن ضخ المياه عكس الميل الطبيعي لمسافة طويلة يحتاج إلى محطات رفع وطاقة وصيانة دائمة، وإذا تعطلت أي حلقة في النقل أو المعالجة أو الكهرباء، فإن الأرض الصحراوية لا تملك احتياطيا طبيعيا مثل أراضي الوادي القديمة.
كما أن الاعتماد التكميلي على المياه الجوفية في الصحراء الغربية يفتح ملفا حساسا، لأن هذا المورد ليس نهرا متجددا بالمعنى المباشر، وتؤدي ملوحته إلى كلفة معالجة أو خلط أعلى، بينما لا تعلن الحكومة كمية السحب السنوي الآمن ولا مدة بقاء الخزان تحت سيناريوهات التوسع.
الفاتورة الطويلة تضع الأمن المائي قبل دعاية الاكتفاء
في المقابل، يبرز سد النهضة كمتغير لا يجوز فصله عن أي مشروع زراعي ضخم في مصر، لأن السد الإثيوبي بسعة تخزين تصل إلى 74 مليار متر مكعب غيّر ميزان المخاطر على النيل الأزرق، وجعل سنوات الجفاف المحتملة اختبارا مباشرا لأي توسع أفقي جديد.
وعلى هذا الأساس، لا يمكن للحكومة أن تتعامل مع الدلتا الجديدة كأنها مشروع محلي معزول عن النيل، لأن حصة مصر التاريخية البالغة 55.5 مليار متر مكعب سنويا لم تعد تكفي خطاب التوسع بلا ترتيب أولويات، خصوصا مع زيادة السكان وتراجع نصيب الفرد من المياه.
ويقول الدكتور محمد سليمان، الأستاذ المتفرغ بالمركز القومي لبحوث المياه، إن الدلتا الجديدة تعتمد على أكثر من مصدر لتوفير مياه الزراعة، بينها مصدران رئيسيان إلى جانب المياه الجوفية، وهو توصيف يؤكد أن المشروع قائم على مزج موارد محدودة لا على وفرة مائية مفتوحة.
وبناء على ذلك، تتقدم مسؤولية الحكومة في نشر ميزانية مائية سنوية للمشروع، تشمل كمية المياه المطلوبة لكل فدان، ونوع المحاصيل المسموح بها، وتكلفة ضخ المتر المكعب، ومعايير سلامة المياه المعالجة، وخطة التعامل مع الجفاف، لأن الأمن الغذائي لا ينفصل عن أمن المياه.
وفي الجانب الاقتصادي، تظل كلفة 800 مليار جنيه بداية لا نهاية، لأن محطات الرفع تحتاج إلى كهرباء وصيانة، وشبكات الري الحديث تحتاج إلى تشغيل ومتابعة، ومعالجة الصرف تحتاج إلى رقابة مستمرة، وأي إهمال في هذه البنود يحول المشروع من استثمار غذائي إلى عبء مالي طويل.
وبذلك لا تعترض الأسئلة على مبدأ التوسع الزراعي نفسه، بل تعترض على طريقة سياسية تضع الافتتاح قبل البيانات، وتضع الصورة قبل الجداول، وتستخدم شعار مشروع القرن بينما تؤجل نشر الحسابات التي تسمح للمصريين بمعرفة إن كان المشروع ينقذ الأمن الغذائي أم يضغط على الأمن المائي.
في النهاية، وضعت الحكومة مشروع الدلتا الجديدة أمام الجمهور باعتباره إنجازا ضخما في قلب الصحراء، لكن الأرقام نفسها حولت المشروع إلى ملف مساءلة، لأن 2.2 مليون فدان و800 مليار جنيه و19 محطة رفع ليست تفاصيل احتفالية، بل التزامات مائية ومالية ممتدة لسنوات.
ومن ثم، لا يملك الخطاب الرسمي حق إغلاق النقاش باسم الأمن الغذائي، لأن الأمن الغذائي في مصر يبدأ من شفافية المياه لا من منصات الافتتاح، وتتحمل الحكومة مسؤولية نشر الجدوى كاملة قبل أن يتحول مشروع القرن إلى اختبار ندرة يدفع ثمنه المواطن والفلاح والدلتا القديمة.

