حيدر عبدالله الحسيني

أستاذ جامعي في علوم الإعلام والاتصال وصحافي اقتصادي

 

في أيام العوز والغلاء الفاحش والتضخم الجامح، لا يقف الفقراء من التلاميذ حاملين كتبًا ودفاتر في شنط تثقل ظهورهم الندية فقط، بل يحملون أيضًا سندويشات أو شطائر "عالماشي"، فيما يتبختر زملاؤهم الأغنياء ومتوسّطو الحال بـ"اللانش بوكس" الذي يكتنز ما لذّ وطاب من "فُلّ كورس" يشمل طعامًا وفاكهة وربما بعض الحلوى والمكسّرات والمرطبات.

 

قد تجد طفلًا من الفقراء يُخبّئ رغيفًا بالفول أو اللبنة أو الجبنة الصفراء داخل كيس قاتم اللون خشية سخرية بعض أقرانه، وآخر يتظاهر بالشبع تعففًا، فيما يتحدث المعنيون في السلطة الرسمية بثقة عن الاستثمار في الرأسمال البشري، وكأنّ رأس الطالب، مدرسيًا كان أم جامعيًا، وأكاديميًا كان أم تقنيًا وفنيًا، يمكن أن يعمل فيما المعدة داخلة في إضراب مفتوح عمّا يُنعش وظائفها ويمنحها القوة لمد الجسم بالقدرة على الإنتاجية والاستمرار!

 

طبعًا، المشهد ليس مصريًا وحسب، بل عربي وعالمي بامتياز في أيام القحط الكوني هذه. من الأحياء الشعبية في القاهرة والمحافظات، إلى مدارس طرابلس وبيروت ومقديشو وعمّان وغزّة والعديد غيرها، صار الفقر يجلس في الصف الأول، فيما تسأل إدارات المدارس طلابها عن واجباتهم المنزلية وأهاليهم عن الأقساط، ولا تكترث بالمرة لقدرتهم على شراء وجبات الاستراحة. ثمة أطفال من الفقراء باتوا يتقنون الحساب عبر عدّ السندويشات التي يعجزون عن شرائها. أما الأهل، فقد تحوّلوا إلى خبراء في الاقتصاد المنزلي. مثلًا، كيف يمكن تقسيم قطعة دجاج واحدة أو طبق "طبخ بايت" أو بيضة واحدة على مجموعة أولاد دون اندلاع "حرب أهلية" على صفارها؟

 

الطريف الحزين أن العالم كله تقريبًا دخل نادي القلق الغذائي، لا سيما مع اندلاع الحرب والتوترات المستمرة في الشرق الأوسط. ففي أميركا، بلاد البرغر العملاقة، طلاب يعتمدون على الوجبات المجانية في المدارس كي لا يناموا جائعين. وفي أوروبا، التي صدّعت رؤوسنا لعقود بالرفاه الاجتماعي، باتت العائلات تراقب أسعار الحليب والبيض يومًا بيوم، كما لو أنها تتابع أسعار النفط والذهب. صار التضخم هو المعلّم الحقيقي في الصفوف الحديثة، يشرح للأطفال يوميًا درسًا عمليًا عن معنى أن يصبح الجُبن رفاهية واللحوم ذكرى.

 

في عالم كهذا، تبدو مؤتمرات إصلاح التعليم شبيهة بحفلات افتتاح فاخرة لسفينة سياحية مثقوبة تتسرّب المياه إلى قاعها. فالجميع يتحدث عن الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا ومهارات المستقبل، بينما طفل في مدرسة حكومية يفكر فقط في ما إذا كان سيعود إلى البيت ليجد غداء محترمًا. لا أحد يخبرنا كيف يمكن لتلميذ جائع أن يحفظ جدول الضرب أو أن يكتب موضوعًا عن الوطن وهو يفكر في سعر السندويش أكثر من معنى المواطنة.

 

والأكثر مرارة أن الفقر لم يعد يطرق أبواب العاطلين من العمل فقط، بل اقتحم بيوت الموظفين والمعلمين وأصحاب الشهادات. أمسى الأب الذي يحمل شهادة جامعية عاجزًا عن شراء فاكهة لأولاده طوال الأسبوع، وأصبحت الأم تفاوض "الدكنجي" كما يفاوض وزراء المالية صندوق النقد الدولي. نعم. لقد أصبح الكثيرون "على باب الله"، ولذلك لم يعُد "باب العلم" يؤدي، غالبًا، إلى مستقبل زاهر، كما قيل لنا دائمًا، بل إلى طابور طويل من ضحايا سوء التغذية.