يكشف موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند الحجر الأسود عن قاعدة إيمانية كبرى في الإسلام، وهي أن المسلم لا يعبد حجرًا ولا أثرًا ولا مكانًا، وإنما يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعيرة شرعها الله، فيجمع بين صفاء التوحيد وكمال الاتباع.

 

ويقول فضيلة الشيخ سعد فضل من علماء الأزهر الشريف إن أهمية هذا المعنى تزداد كلما التبس على بعض الناس الفرق بين التعظيم الشرعي والتقديس الوثني، فالحجر الأسود لا يملك نفعًا ولا ضرًا بذاته، لكن استلامه وتقبيله عبادة مرتبطة بالطاعة والاقتداء، لا بالخرافة ولا باعتقاد التأثير المستقل في الأشياء.

 

الحجر الأسود بين الاتباع والتوحيد

 

روى البخاري عن ابن عمر أنه سئل عن استلام الحجر الأسود، فقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتسلمه ويقبله.

 

وعن نافع قال: رأيت ابن عمر استلم الحجر بيده ثم قبل يده، وقال: "ما تركته منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله" (متفق عليه).

 

وعن عمر: أنه كان يقبل الحجر الأسود ويقول: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك" (خ. م. أحمد وأبي داود والترمذي).

 

وقال الطبراني: إنما قال عمر ذلك؛ لأن الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام، فخشى أن يظن الجهال أن استلام الحجر من باب تعظيم الأحجار كما كانت تفعل العرب في الجاهلية، فأراد أن يعلم الناس أن استلام الحجر اتباع لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا لأن الحجر يضر وينفع بذاته، كما كانوا يعبدون الأوثان هذا من ناحية العلم، وأما من ناحية الدين فالمؤمنون يعرفون تمام المعرفة أنه يقوم أول ما يقوم على الإيمان بالغيب: "في جانب الاعتقاد"، وعلى الخضوع والانقياد لأمر الله: "في جانب العمل" وهذا هو معنى لفظ الدين، ولفظ العبادة.

 

والإسلام باعتباره دينًا لا يخلو من جانب تعبدي محض، وإن كان أقل الأديان في ذلك- وفي الحج خاصة- كثيرًا من الأعمال التعبدية، ومنها تقبيل الحجر الأسود والأمور التعبدية هي التي تعقل حكمتها الكلية وإن لم يفهم معناها الجزئي، والحكمة العامة فيها حكمة التكليف نفسه، وهي ابتلاء الله لعباده ليعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه.

 

الأمور التعبدية هي التي تكشف عن العبودية الصادقة لله من العبودية الزائفة للعبد الصادق يقول عند أمر الله مقالة الرسول والمؤمنين (سمعنا وأطعنا) والعبد المتمرد على ربه يقول ما قاله اليهود من قبل (سمعنا وعصينا) ولو كان ما يكلف به العبد مفهوم الحكمة للعقل جملةً وتفصيلاً، لكان الإنسان حينما يتمثل إنما يطيع عقله قبل أن يكون مطيعًا لربه، وحسب المسلم أنه وحين يطوف بالبيت، أو يستلم الحجر يعتقد أن هذا البيت فيه أثر من آثار إبراهيم عليه السلام، وهو محطم الأصنام، ورسول التوحيد وأب الملة الحنيفية السمحة ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120)﴾ (النحل).

 

القرضاوي: الحج مدرسة توحيد وانقياد

 

يرى الدكتور يوسف القرضاوي أن الحج عبادة جامعة، لأنها تجمع بين بذل الجسد وبذل المال، فلا يقف الحاج فيها عند مجرد الحركة بين المشاعر، بل يدخل في رحلة إيمانية تهذب النفس وتربط الإنسان بمعنى الاستطاعة والمسؤولية والتجرد لله، ولذلك جعلها الله مرة واحدة في العمر على من قدر عليها.

 

ومن خلال هذا الفهم، لا يكون تقبيل الحجر الأسود عند القرضاوي فعلًا منفصلًا عن مقاصد الحج، بل يدخل في باب الانقياد المشروع الذي يعلّم المسلم أن الدين ليس رأيًا عقليًا مجردًا، ولا عادة اجتماعية متوارثة، وإنما هو طاعة لله في حدود ما شرع، واتباع للنبي صلى الله عليه وسلم فيما بيّن وطبق.

 

ويؤكد القرضاوي في حديثه عن التوحيد أن المسلم لا يطلب الحكم والغاية والرضا إلا من الله، وأن التوحيد لا يكتمل بالشعارات وحدها، بل يظهر في العمل والسلوك والامتثال، ولهذا يصبح موقف عمر عند الحجر الأسود شاهدًا واضحًا على نقاء العقيدة، لأنه جمع بين نفي النفع والضر عن الحجر وبين التزام السنة.

 

وعند القرضاوي أيضًا، العبادة ليست طقسًا محدودًا داخل المسجد أو حول البيت الحرام، بل هي كمال الطاعة والخضوع مع المحبة والتسليم، وهذا المعنى يفسر الشعائر التعبدية في الحج، لأن الحاج حين يطوف أو يسعى أو يرمي أو يستلم الحجر يعلن بفعله أن أمر الله مقدم على هوى النفس وعلى سؤال العقل عن كل تفصيل جزئي.

 

وتبرز قيمة هذا الرأي في مواجهة النزعتين المتقابلتين، نزعة خرافية ترفع الأشياء فوق مقامها الشرعي، ونزعة مادية ترفض كل ما لا تدرك حكمته التفصيلية، أما التصور الإسلامي فيجعل العقل يفهم المقصد العام، ثم يجعل القلب والجوارح يخضعان لله فيما شرع، بلا وثنية ولا تمرد.

 

سيد قطب: البيت الحرام رمز التوحيد لا موضع الوثنية

 

أما الإمام سيد قطب فيربط الحج في تفسيره بسيرة إبراهيم عليه السلام وبناء البيت على أساس التوحيد الخالص، فالكعبة عنده ليست أثرًا تاريخيًا جامدًا، ولا مركزًا لقومية أو عصبية، وإنما موضع أقيم ليطهر من الشرك، وليجتمع حوله الناس على معنى واحد هو العبودية لله وحده.

 

ومن هذا الباب، ينسجم تقبيل الحجر الأسود مع المعنى العام للحج لا مع بقايا الوثنية، لأن المسلم لا يتجه إلى الحجر باعتباره قوة مستقلة، بل يتجه إلى الله بطاعة مأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويستحضر في قلبه أن البيت الذي يطوف حوله مرتبط بإبراهيم محطم الأصنام وداعية الحنيفية.

 

ويرى سيد قطب أن العبودية لله تظهر في التجرد الكامل من سلطان غير الله، وهذا المعنى يضيء شعائر الحج كلها، فالحاج يترك ثيابه المعتادة، ويدخل في هيئة واحدة مع الناس، ويلبي ربه، ويتحرك بين المناسك كما أمر، فيتربى على أن الحرية الحقيقية لا تكون بالانفلات من أمر الله، بل بالتحرر من عبودية الهوى والناس والأشياء.

 

وبهذه الرؤية، لا يكون الحجر الأسود موضوعًا للجدل السطحي حول الحجر ذاته، بل يكون اختبارًا لمنطق التلقي عن الله ورسوله، فالمسلم لا يعبد الحجر ولا يطلب منه شيئًا، لكنه يتعبد لله عنده بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبذلك يصبح الفعل مدرسة عملية في التوحيد والاتباع.

 

وتظهر قوة طرح سيد قطب في أنه يعيد الشعائر إلى مركزها العقدي، فالحج عنده ليس أعمالًا متفرقة، بل إعلان شامل أن الصلاة والنسك والحياة والموت لله، ومن هنا يصبح استلام الحجر الأسود جزءًا من هذا الإعلان الكبير، لأنه فعل صغير في صورته، عظيم في دلالته على التسليم.

 

المعنى الدعوي: عبادة بلا خرافة وعقل بلا تمرد

 

تجمع آراء الشيخ سعد فضل والدكتور يوسف القرضاوي والإمام سيد قطب على معنى واحد، وهو أن الإسلام يرفض تقديس الأحجار والأشخاص والأماكن لذاتها، لكنه في الوقت نفسه يربي المسلم على احترام الشعائر التي شرعها الله، فلا يسقطها باسم العقل، ولا يحرفها باسم العاطفة.

 

وهذا التوازن هو الذي يحتاجه الخطاب الدعوي اليوم، لأن بعض الناس يظن أن كل فعل تعبدي لا يعرف حكمته التفصيلية خال من المعنى، بينما الحقيقة أن العبودية لا تكتمل إلا عندما يسلم العبد لله فيما علم حكمته وما لم يعلم، مع بقاء أصل التوحيد نقيًا لا يخالطه اعتقاد فاسد في مخلوق.

 

ولذلك، فإن موقف عمر رضي الله عنه يمثل درسًا كاملًا للأمة، فقد أعلن أن الحجر لا يضر ولا ينفع، ثم قبله اتباعًا للنبي صلى الله عليه وسلم، فحفظ العقيدة من الوثنية، وحفظ العبادة من الابتداع، وحفظ القلب من الاعتراض، وحفظ الجوارح على طريق السنة.

 

كما أن ارتباط الحجر الأسود بالحج يجعل الدرس أكثر عمقًا، لأن الحج رحلة تربية لا رحلة حركة فقط، وفيه يتعلم المسلم أن لله أن يبتليه بأوامر يدرك مقصدها العام ولا يحيط بكل أسرارها، فيظهر صدق الإيمان في الانقياد، كما يظهر صفاء التوحيد في عدم نسبة الضر والنفع إلا لله.

 

ومن هنا، ينبغي للداعية أن يشرح للناس أن التعبد المحض لا يعني تعطيل العقل، بل يعني وضع العقل في موضعه الصحيح، فالعقل يعرف صدق الوحي ويثبت أصل الرسالة ويفهم المقاصد الكبرى، ثم يأتي دور القلب والجوارح في الامتثال لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.

 

وفي المقابل، ينبغي التحذير من تحويل الشعائر إلى عادات بلا روح، لأن من يقبل الحجر أو يطوف بالبيت وقلبه غافل عن التوحيد يفوته لب العبادة، فالمقصود ليس مجرد لمس حجر أو إتمام دورة، بل تجديد العهد مع الله على السمع والطاعة والاتباع والخضوع.

 

وأخيرا يبقى الحجر الأسود شاهدًا على نقاء الإسلام لا على التباسه، لأنه يجمع في لحظة واحدة بين نفي الخرافة وإثبات الاتباع، وبين احترام الشعيرة ورفض الوثنية، وبين عمل الجوارح ويقظة القلب، فلا يزداد المؤمن عنده إلا توحيدًا وتسليمًا ومحبة للنبي صلى الله عليه وسلم.

 

وبهذا المعنى، يصبح تقبيل الحجر الأسود درسًا دعويًا متجددًا، يعلّم المسلم أن العبادة ليست تفاوضًا مع العقل، ولا خضوعًا للأشياء، وإنما هي استجابة لله كما بلّغ رسوله، فمن فهم ذلك أدرك سر الحج، وسر الاتباع، وسر العبودية الصادقة التي تقول بلسان الحال قبل المقال سمعنا وأطعنا.