يستقبل معارضون مصريون في الخارج عيد الأضحى 2026 بعيدًا عن بيوتهم في القاهرة والمحافظات، مع حلول العيد يوم الأربعاء 27 مايو، وسط تقارير حقوقية وثقت استهداف نشطاء وسياسيين وصحفيين في المنفى، فصار العيد مناسبة تكشف كلفة الغياب لا مجرد طقس عائلي عابر.

 

وتضع هذه المناسبة ملف المنفى المصري أمام سؤال سياسي وإنساني مباشر، لأن السلطة التي دفعت معارضين إلى الخارج لم تترك أسرهم في الداخل خارج الضغط، بينما تتحول مكالمات العيد وصور البيوت القديمة وأسماء المعتقلين إلى دليل يومي على أن القمع تجاوز الحدود والجوازات والمطارات.

 

العيد في المنفى يتحول إلى اختبار للذاكرة

 

في البداية، لا يستقبل المعارض المصري في الخارج العيد بوصفه عطلة دينية فقط، بل يستقبله كموعد يقيس حجم المسافة بينه وبين بيته، لأن صلاة الأضحى وذبح الأضحية وزيارة الأقارب كانت جزءًا من ترتيب اجتماعي ثابت قبل أن يتحول الخروج من مصر إلى إقامة مفتوحة.

 

ثم تتضاعف قسوة المناسبة عندما يكتشف المنفي أن المدينة الآمنة لا تمنحه عيدًا كاملًا، فالقانون يحميه من الاعتقال المباشر، لكنه لا يعوض حضور الأب أو الأم أو الأبناء حول مائدة واحدة، ولا يعيد له رائحة الشوارع التي ارتبطت بسنواته الأولى في مصر.

 

بعد ذلك، تصبح ذاكرة البيت جزءًا من المعركة السياسية نفسها، لأن النظام لا يعاقب المعارض بسجنه أو مطاردته فقط، بل يعاقبه أيضًا بقطع انتظام حياته، فيفقد العيد معناه الطبيعي ويصبح تذكيرًا سنويًا بأن الوطن موجود في الذاكرة أكثر مما هو متاح في الواقع.

وفي هذا المحور، يقدم الأكاديمي عمرو حمزاوي وظيفة تفسيرية مهمة، إذ يلفت في كتاباته وتصريحاته إلى حساسية العمل السياسي من الخارج في وعي المصريين، وهذا المعنى يشرح لماذا يحاول كثير من المنفيين الحفاظ على صلتهم بالداخل رغم حملات التخوين والتشويه المستمرة.

 

لذلك، لا تبدو عزلة العيد شعورًا فرديًا قابلًا للتجاوز بالاندماج في بلد جديد، بل تبدو نتيجة سياسية لصناعة الخوف داخل المجال العام، لأن الحكومة أغلقت مساحات المشاركة السلمية ثم تعاملت مع من غادروا كخصوم دائمين بدل أن تراهم مواطنين أصحاب حق.

 

وعلى هذا الأساس، يتوزع الأضحى بين محاولات التعويض ومشاهد الغياب، فبعض المعارضين ينظمون لقاءات صغيرة في مدن أوروبية أو عربية، وبعضهم يكتفي باتصال قصير مع الأسرة، وآخرون يتجنبون الكلام خوفًا من أن تتحول مكالمة العيد إلى سبب جديد لاستدعاء قريب في الداخل.

 

القمع العابر للحدود يلاحق العائلات داخل مصر

 

لاحقًا، انتقل ملف المنفى من تجربة غربة سياسية إلى قضية حقوقية موثقة، بعدما تحدثت منظمات مصرية ودولية عن نمط واسع من القمع العابر للحدود، يشمل منع الوثائق والضغط على الأسر وتهديد النشطاء في الخارج، بما يجعل الأمان خارج مصر أمانًا ناقصًا ومشروطًا.

 

وبسبب ذلك، لا يستطيع المعارض أن يفصل عيده في الخارج عن وضع عائلته داخل مصر، لأن تقارير حقوقية تحدثت عن عقاب بالوكالة يستهدف أقارب صحفيين ونشطاء ومدافعين عن حقوق الإنسان عبر المداهمات والقبض والاختفاء القسري، بهدف الضغط على أصحاب الأصوات الناقدة.

 

كما يضع مؤسس المنبر المصري لحقوق الإنسان معتز الفجيري هذا الملف في مركزه الصحيح، إذ يرى أن القمع العابر للحدود لا يستهدف ترهيب المعارضين فقط، بل يسعى إلى قطع صلتهم بمصر ومنعهم من التفكير في العودة، وهذا التوصيف يفسر قسوة الأعياد عليهم.

 

ومن هنا، تصبح مكالمة التهنئة في الأضحى محاطة بحسابات أمنية لا يعرفها المواطن العادي، فالمعارض يسأل عن صحة أمه أو عن سفر شقيقه أو عن زيارة قريب محتجز، لكنه يختار كلماته بحذر لأن الخوف لم يعد يقف عند باب السجن بل دخل الهاتف والبيت.

 

كذلك، تسجل تقارير حديثة أن السلطات استخدمت أدوات غير مباشرة ضد المصريين في الخارج، منها تعطيل جوازات السفر والوثائق والضغط على الأقارب، وهذه الأدوات تجعل العيد اختبارًا إضافيًا للكرامة، لأن المواطن يصبح عاجزًا عن زيارة بلده أو دفن حزن الغياب بعودة قصيرة.

 

لهذا، تبدو الحكومة وهي تدير المنفى كمساحة عقاب طويلة لا كأثر جانبي للأزمة السياسية، فالمعارض الذي خرج خوفًا من الحبس يبقى مشدودًا إلى الداخل عبر أمه وأبيه وأبنائه وذكريات بيته، بينما تستخدم السلطة هذه الخيوط لتذكيره بأن الحدود لا تنهي السيطرة.

 

وفي المقابل، لا تكفي بيانات النفي الرسمية ولا خطابات الاستقرار لتبرير هذا العبء، لأن الدولة التي تثق في قانونها لا تطارد أقارب معارضيها، ولا تحول خدمات القنصلية والوثائق إلى أدوات ضغط، ولا تجعل العيد مناسبة يتجنب فيها الناس الكلام العادي مع أحبائهم.

 

المعتقلون يوسعون معنى الغياب في الأضحى

 

في المحور الثالث، يزداد وجع المنفى عندما يرتبط العيد بملف المعتقلين السياسيين داخل مصر، لأن كثيرًا من المعارضين في الخارج لا يغيبون عن بيوتهم وحدهم، بل يتابعون أيضًا غياب أصدقاء ورفاق وأقارب خلف القضبان، فيتحول الأضحى إلى قائمة أسماء لا إلى يوم فرح.

 

ثم تعمق تقارير حقوقية دولية هذا المعنى، إذ تشير إلى استمرار احتجاز آلاف الأشخاص في قضايا سياسية وظروف قاسية ومحاكمات غير عادلة، وهو ما يجعل العيد عند أسر كثيرة موعدًا للانتظار أمام السجون أو انتظار تصريح زيارة أو خبر إفراج لا يأتي.

 

وفي هذا السياق، تساعد قراءة الباحثة لوتشيا أردوفيني في فهم صلة المنفى بالخوف الداخلي، لأنها درست القمع العابر للحدود ضد المصريين في بريطانيا وربطته بتحديات الدول المضيفة ومؤسساتها، وهذا يوضح أن المشكلة لا تنتهي بمجرد وصول المعارض إلى بلد ديمقراطي.

 

لذلك، يقيم المعارضون في الخارج طقوسًا بديلة لا تعوض الأصل، فيجتمعون للصلاة أو يرسلون أموال الأضاحي إلى أسرهم أو يتابعون صور الشوارع المصرية عبر الهواتف، لكن كل محاولة للتعويض تصطدم بحقيقة أن العيد يفقد نصفه عندما تغيب الزيارة الآمنة والعودة الممكنة.

 

وبالتوازي، تكشف هذه التجربة فشل الدولة في إدارة الخلاف السياسي، لأن الحكومة التي تدفع خصومها إلى المنفى ثم تطارد آثارهم داخل البيوت لا تحمي الاستقرار، بل توسع دائرة الغضب وتحوّل الأجيال الجديدة إلى شهود على عداء رسمي مع فكرة المشاركة السلمية.

 

في النهاية، لا يطلب المعارضون في الخارج عيدًا استثنائيًا ولا امتيازًا سياسيًا، بل يطلبون حقًا بسيطًا في العودة الآمنة والكلام الحر ورؤية الأهل بلا خوف، لكن الحكومة جعلت هذه الحقوق مطالب ثقيلة، وحولت الأضحى من مناسبة للوصل إلى شاهد جديد على قسوة الغياب.

 

وبذلك، يبقى عيد الأضحى عند المعارضين المصريين في الخارج عنوانًا مكثفًا لأزمة أوسع، فالمنفى ليس سفرًا طويلًا فقط، بل نتيجة مباشرة لقمع سياسي يطارد الذاكرة والعائلة والوثيقة والبيت، ولا ينتهي أثره إلا عندما تصبح العودة ممكنة بلا سجن ولا انتقام ولا خوف.