تأتي العشر الأوائل من ذي الحجة بوصفها موسمًا ربانيًا عظيمًا، عظّم الله فيه شأن العمل الصالح، وجعل أيامه من أحب الأيام إليه، كما روى الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أيام أحب إلى الله تعالى العمل الصالح فيهن من هذه الأيام»، يعني الأيام العشرة، وهو حديث يفتح للمسلم باب الاجتهاد في الطاعة والذكر والصدقة والصيام والدعاء.

 

وتقوم منزلة هذه الأيام على معان متعددة، أولها أن الله سبحانه وتعالى يختار من الأزمنة والأمكنة والأشخاص ما يشاء، ثم إن ذي الحجة شهر حرام ومن أشهر الحج، وقد اجتمعت في عشره الأولى أعمال كبرى من مناسك الحج، مثل يوم التروية ويوم عرفة ويوم النحر، فصار هذا الموسم جامعًا بين حرمة الزمان وشرف العبادة وعظمة القرب من الله.

 

ويبين العلامة د. يوسف القرضاوي- رحمه الله- أن فضل العشر من ذي الحجة لا يُفهم بمعزل عن سنة إلهية ثابتة، وهي أن الله تعالى يفضل بعض خلقه على بعض، فيختار من الأيام والشهور والساعات والأماكن والأشخاص ما يشاء، لحكمة يعلمها سبحانه، وقد يطلع عباده على بعض أسرار هذا الاختيار وقد يستأثر بعلمه.

 

الاختيار الإلهي أساس تفضيل الأزمنة والأماكن

 

يوضح القرضاوي أن التفضيل والتخصيص والاجتباء شأن إلهي خالص، فالله تبارك وتعالى يفضل بعض الأيام على بعض، وبعض الشهور على بعض، وبعض الساعات في الليل والنهار على بعض، كما يفضل بعض الأماكن على بعض، ولا يملك العبد أمام هذا الاختيار إلا التسليم والتعظيم والامتثال.

 

ومن هذا الباب جاء تفضيل المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى على سائر المساجد، ولذلك جاء في الحديث: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد»، وهي المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، لما جعل الله لهذه البقاع من خصوصية ومكانة في عبادة المسلمين ووجدانهم.

 

ويذكر القرضاوي أن الله جعل الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة فيما عداه من المساجد إلا المسجد النبوي، وجعل الصلاة في المسجد النبوي بألف صلاة، وجعل الصلاة في المسجد الأقصى بخمسمائة صلاة، كما فضل مكة والمدينة على سائر البقاع، وهذا كله داخل في باب اصطفاء الأماكن.

 

ولا يقتصر الاختيار الإلهي على الأماكن، بل يمتد إلى الأشخاص، فقد فضل الله النبيين على سائر البشر، ثم فضل بعض النبيين على بعض، فقال تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ}، البقرة: 253.

 

ومن هنا يستشهد القرضاوي بقول الله تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ}، القصص: 68، ليؤكد أن الاختيار من خصائص الربوبية، فالله يختار من الأشخاص ما شاء، ومن الأماكن ما شاء، ومن الأيام ما شاء، لأسرار يعلمها وحده سبحانه وتعالى.

 

وقد يبين الله لعباده سبب بعض هذا التفضيل، كما بيّن فضل شهر رمضان بقوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}، البقرة: 185، فصار نزول القرآن سببًا ظاهرًا في عظمة هذا الشهر.

 

وكذلك بيّن الله فضل ليلة القدر بارتباطها بنزول القرآن، فقال سبحانه: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}، القدر: 1، وبذلك يربط القرضاوي بين مواسم الفضل الكبرى وبين الوحي، ليظهر أن الزمان يعلو قدره حين يتصل بطاعة الله وكلامه وعبادته.

 

ذو الحجة شهر حرام وموسم حج

 

ينتقل القرضاوي بعد ذلك إلى بيان خصوصية ذي الحجة، فيقرر أن العشر الأوائل منه اكتسبت فضلها لأنها تقع في شهر فضله الله تعالى من جهتين، فهو من الأشهر الحرم، وهو كذلك من أشهر الحج، وباجتماع هذين المعنيين يزداد قدره بين شهور العام.

 

ويستدل القرضاوي بقول الله تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ}، التوبة: 36، ليؤكد أن حرمة هذه الأشهر مقررة في كتاب الله منذ خلق السماوات والأرض.

 

وهذه الأشهر الحرم هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، وقد عظّمها الله وخصها بمزيد حرمة، فقال في الآية نفسها: {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ}، التوبة: 36، فصار ظلم النفس فيها أشد قبحًا وأعظم إثمًا.

 

ويؤكد القرضاوي أن ظلم النفس محرم في كل الشهور، لكن التحذير منه في الأشهر الحرم أشد، لأن المعصية في الزمن المعظم ليست كالمعصية في غيره، كما أن الطاعة في الزمن المعظم أرجى وأعظم أجرًا، ولذلك كانت العشر الأوائل من ذي الحجة داخلة في هذا التعظيم.+

 

ثم يضيف القرضاوي أن ذي الحجة ليس شهرًا حرامًا فقط، بل هو من أشهر الحج أيضًا، مستدلًا بقول الله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ}، البقرة: 197، وهذه الأشهر هي شوال وذو القعدة وذو الحجة، وفيها يتهيأ المسلمون لأداء الركن العظيم.

 

ويفرق القرضاوي بين شوال وذي الحجة من جهة الفضل، فشوال من أشهر الحج لكنه ليس من الأشهر الحرم، أما ذو القعدة وذو الحجة فقد اجتمع فيهما الوصفان، فهما من أشهر الحج ومن الأشهر الحرم، غير أن ذي الحجة امتاز بوقوع أعظم المناسك في أيامه الأولى.

 

أيام المناسك وميادين العمل الصالح

 

يبين القرضاوي أن من أعظم أسباب تفضيل العشر الأوائل من ذي الحجة أن كثيرًا من أعمال الحج تقع فيها، ففي اليوم الثامن يكون يوم التروية، وفي اليوم التاسع يكون يوم عرفة، وفي اليوم العاشر يكون يوم الحج الأكبر، وهو يوم النحر ويوم العيد.

 

ويوم عرفة عند القرضاوي هو أفضل أيام السنة على الإطلاق، كما أن ليلة القدر هي أفضل ليالي السنة على الإطلاق، فكما أن ليالي العشر الأواخر من رمضان هي أفضل الليالي، فإن أيام العشر الأوائل من ذي الحجة هي أفضل الأيام لما اجتمع فيها من الطاعات والمناسك.

 

ويعيد القرضاوي التذكير بالحديث الذي رواه الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أيام أحب إلى الله تعالى العمل الصالح فيهن من هذه الأيام»، يعني الأيام العشرة، ليجعل الحديث أصلًا في الحث على اغتنام هذا الموسم العظيم.

 

ومن ثم يستحب في هذه الأيام الإكثار من الصيام والصدقة والذكر والدعاء والتسبيح والتهليل والتكبير، لأن المسلم يستقبل أيامًا يحب الله فيها العمل الصالح، ومن أدرك فضل الزمان اجتهد في عمارة قلبه وجوارحه بالطاعة، ولم يترك الموسم يمر كغيره من الأيام.

 

وتكتمل دلالة العشر من ذي الحجة حين يجتمع فيها اختيار الله للزمان، وحرمة الشهر، وشرف الحج، وفضل يوم عرفة، ويوم النحر، وعموم الحث النبوي على العمل الصالح، ولذلك فهي أيام ينبغي أن يستقبلها المسلم بتوبة صادقة، وهمة عالية، ولسان ذاكر، وقلب مقبل على الله.