كشفت الحكومة المصرية، في مايو 2026، عن استهداف تنفيذ 10 طروحات لشركات حكومية قبل نهاية العام، بينها بنك القاهرة وشركتان تابعتان للقوات المسلحة، وفق تصريحات حسين عيسى نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية خلال مؤتمر الغرفة الأمريكية بالقاهرة، لتعود سياسة بيع الأصول إلى واجهة الأزمة الاقتصادية.

 

وتضع هذه الخطة المصريين أمام سؤال مباشر حول حدود التخارج الحكومي وجدوى بيع أصول رابحة في وقت تتراكم فيه الديون وتتراجع القدرة الشرائية، فالحكومة تقدم الطروحات باعتبارها توسعة لدور القطاع الخاص، بينما يراها منتقدون تصفية تدريجية لأصول عامة تحت ضغط التمويل وسداد الالتزامات.

 

بيع الأصول لا يصنع إصلاحا اقتصاديا

 

بعد ذلك، لا تبدو الطروحات الجديدة مجرد إجراء داخل البورصة، لأن إدخال بنك القاهرة وشركات تابعة للقوات المسلحة إلى البرنامج يوسع نطاق البيع من شركات عادية إلى أصول ذات وزن مالي واستراتيجي، وهو ما يفرض سؤالا عن التقييم والملكية والرقابة على العائد.

 

لذلك، تخدم قراءة الدكتور مدحت نافع هذا المحور بوضوح، لأنه حذر في أكثر من طرح من التعامل مع الأصول العامة كحل سريع للأزمة، واعتبر أن الخطر لا يكمن في دخول مستثمرين جدد فقط، بل في البيع بتقييمات ضعيفة أو لغايات مالية قصيرة.

 

وفي الاتجاه نفسه، يدعم الدكتور مراد علي زاوية غياب الإصلاح الحقيقي، لأنه يربط ضعف القطاع الخاص بتوسع جهات الدولة والجيش في الاقتصاد، ويرى أن نقل بعض الشركات إلى البورصة لا يكفي إذا بقيت قواعد المنافسة غير عادلة وبقيت الدولة لاعبا وحكما في السوق.

 

كما أن إعلان الحكومة طرح شركتين تابعتين للقوات المسلحة لا يعني وحده خروجا حقيقيا من النشاط الاقتصادي، لأن الطرح قد يظل جزئيا، وقد يبقي السيطرة الفعلية بيد المالك الأصلي، بينما يحصل السوق على نسبة محدودة لا تغير بنية المنافسة ولا تكشف الحسابات كاملة.

 

شركات الجيش في البورصة ورسالة مضطربة للسوق

 

ثم جاء اجتماع مصطفى مدبولي لمتابعة ملف الطروحات ليؤكد الالتزام بطرح شركات وطنية وسايلو وشيل أوت، إلى جانب الشركة الوطنية لإنشاء وتنمية وإدارة الطرق، وهي شركات ترتبط بقطاعات الوقود والغذاء والخدمات والطرق، ولا تمثل كيانات هامشية يمكن تمريرها بلا نقاش عام.

 

وبذلك، تنتقل الحكومة من خطاب تمكين القطاع الخاص إلى خطوة أشد حساسية، لأنها تضع شركات الجيش داخل سوق المال بعد سنوات من الجدل حول امتيازاتها وموقعها في المنافسة، بينما لا يعرف المواطن ولا المستثمر حجم الإعفاءات السابقة ولا طريقة تسعير الأصول.

 

ومن هنا، تدعم الدكتورة سالي صلاح هذا المحور عبر انتقادها سياسات الاعتماد على الاقتراض وبيع الأصول لسداد خدمة الديون، لأن المشكلة في نظرها لا تتعلق بعدد الشركات المطروحة، بل بنموذج مالي يبيع موارد اليوم لتغطية عجز صنعته اختيارات اقتصادية خاطئة.

 

كذلك، يخدم وائل النحاس هذا العنوان الفرعي لأنه ربط سابقا بين برنامج الطروحات وضمان قدرة الدولة على سداد التزاماتها أمام الدائنين، ورأى أن بيع الأصول قد ينتهي بانتهاء ضغط التمويل من دون بناء إنتاج جديد أو معالجة أسباب أزمة الدولار.

 

وعلى هذا الأساس، تصبح البورصة هنا أداة لتسويق الأزمة لا لحلها، فالقيد المؤقت للشركات وتنشيط التداولات قد يعطيان السوق حركة قصيرة، لكنه لا يضمنان زيادة الإنتاج أو التصدير أو التشغيل، وهي المؤشرات التي يحتاجها الاقتصاد الحقيقي لا مؤشرات الشاشة وحدها.

 

القطاع الخاص بين الشعار وواقع السيطرة

 

في المقابل، تكرر الحكومة أن برنامج الطروحات يستهدف زيادة مشاركة القطاع الخاص وتعظيم العائد من أصول الدولة وخلق فرص العمل وتحسين بيئة الاستثمار، لكن التجربة المصرية خلال السنوات الماضية أظهرت أن الشعار وحده لا يكفي، لأن المستثمر يحتاج منافسة عادلة وقواعد مستقرة وشفافية كاملة.

 

لذلك، تخدم الدكتورة عالية المهدي هذا المحور، لأنها تؤكد أن نجاح الطروحات لا يقاس بحجم الأموال المحصلة فقط، بل بمدى انعكاسها على الاقتصاد الحقيقي وفرص العمل والإنتاج، كما انتقدت الاعتماد على الاستدانة وبيع الأصول باعتبارهما طريقا غير كاف للخروج من الأزمة.

 

وفي السياق ذاته، يضيف الدكتور محمد فؤاد زاوية أكثر ارتباطا بالسوق، لأنه يرى أن الطروحات لا تنجح إلا إذا كانت البضاعة جيدة وكان المستثمر قادرا على الثقة في التقييم والحوكمة، وهي شروط لا تصنعها البيانات الحكومية وحدها بل تصنعها الإفصاحات والرقابة المستقلة.

 

كما أن طرح بنك القاهرة يفتح سؤالا خاصا حول القطاع المصرفي، لأن البنوك العامة ليست مجرد أصول مالية، بل أدوات ائتمان وتمويل ودعم للقطاعات الإنتاجية، وأي تخارج جزئي أو كامل منها يجب أن يشرح أثره على التمويل المحلي وسعر الخدمات المصرفية.

 

وبناء على ذلك، لا يكفي أن تقول الحكومة إن 2026 سيشهد 10 طروحات، لأن الرقم لا يجيب عن الأسئلة الأساسية، وهي من سيشتري، وبأي تقييم، وأين ستذهب الحصيلة، وهل ستخفض الدين فعليا، أم ستذوب في فجوة تمويلية جديدة قبل نهاية العام.

 

وفي النهاية، تكشف الطروحات الحكومية الجديدة أن الدولة لا تزال تعالج الأزمة ببيع ما تملك، لا بتغيير طريقة الإدارة التي صنعت الأزمة، فطرح بنك القاهرة وشركات الجيش قد يوفر سيولة مؤقتة، لكنه لن يصنع اقتصادا قويا إذا بقيت الديون تتقدم على الإنتاج، وبقي المواطن آخر من يعرف أين تذهب حصيلة البيع.