محمد طلبة رضوان
كاتب صحافي
حين أعلنت الدولة المصرية قبل أربع سنوات افتتاح مجمّع سجون "على أحدث طراز"، لم يكن الإعلان مجرّد خبر، بل احتفال ضخم بمنجز كبير، وبداية مرحلة مختلفة تمامًا عن كلّ ما سبقها من عمر الدولة المصرية. نظّمت الدولة حفلًا بالفعل، وأعدّت له أغنيةً ترويجيةً غنّاها مدحت صالح ومي فاروق بعنوان "فرصة للحياة"، وجاءت الفضائيات والتلفزيون الرسمي ووكالات الأنباء للتغطية، وصُوّر "كليب" الأغنية داخل السجن، وكان أبطاله من السجناء الحقيقيين. لم يكن هذا "كوميكس" للسخرية من هزيمة منتخب الزمالك في نهائي الكونفدرالية، بل ما حدث فعلًا، وأمام أعيننا: صار السجن "فرصةً للحياة".
لم يعد السجن مؤسّسة داخل الدولة المصرية، بل صار بديلًا منها، وصار هو الفكرة الأكثر تجسيدًا لما تسمّيه السلطة: "الجمهورية الجديدة". صار السجن هو شخصية السلطة الحالية في مصر، فكرتها ووظيفتها، وما لديها كلّه، ففي الدولة الحديثة يتنازل المواطن عن جزء من حرّيته مقابل حماية بقيّة حرّياته، أيّ إنّ المواطن يدفع جزءًا من رصيده مقابل حماية رصيده كلّه. هذه هي صفقة "الدولة" مع "المواطن"، وهذا هو معنى الدولة الحديثة أصلًا. أمّا في مصر السيسي، فالصفقة مختلفة، وفرصتك الوحيدة في الحياة هي أن تتعلّم كيف تعيش داخل الحالة السجنية، سواء كنت داخل الزنزانة فعلًا، أو خارجها بقليل.
لم تعد أسوار السجن تحيط بالدولة لتحميها من الخارج، بل تمدّدت داخلها حتى ابتلعتها، وصار السجن شرط استمرار السلطة الوحيد. هكذا تحوّلت حيواتنا اليومية إلى توقيفات واستدعاءات وتحقيقات وإحالات وقضايا وأحكام ومراقبة وتهديد دائم بالحبس، وتحوّلت مناشدات الإفراج عن المسجونين إلى جزء من المشهد اليومي، مثل الأكل والشرب والتنفّس، مناشداتٍ ووساطاتٍ وتوسّلاتٍ لا للحصول على الحرّية، بل للحصول على نسخة أخفّ من السجن.
مناشدات بالخروج من الزنزانة إلى البيت (تحت المراقبة، والمبيت اليومي في القسم سنواتٍ، والمنع من السفر، والتضييق في العمل، والتهديد الدائم بالعودة إلى الحبس) يعدّها أصحابها منجزًا، وهي كذلك. فالسجين، على الأقلّ، سوف ينام في سرير آدمي، ويدخل حمّامًا آدميًا، ويحتضن أولاده، وذلك قبل أن يعود إلى السجن، فتبدأ المناشدات من جديد، بالسماح بالزيارة، أو بإدخال الكتب، أو بالخروج من الانفرادي، أو بالتريّض، أو بالنوم، حتى النوم صار طلبًا ورجاءً ومناشدةً وشهادات تعذيب.
هكذا نجحت السلطة في مصر في زرع سجن داخل السجن، وسجن داخل الزيارة، وسجن داخل الأحكام القضائية، وسجن داخل العفو الرئاسي، حتى وعد الرئيس بالإفراج لا يعني الفرج، بل الانتقال من سجن إلى آخر. السجن هو الأصل، فإمّا أن تقبله، فتحصل على استثناء "الوجود" بوصفك "ساكنًا"، أو ترفضه فتعود إلى زنزانتك.
خذ مثلًا (من عشرات الآلاف): خرج أحمد دومة بعفو رئاسي في أغسطس 2023 بعد عشر سنوات في السجن، ليجد نفسه ممنوعًا من السفر، ممنوعًا من العمل، ممنوعًا من الكتابة، ملاحقًا، مراقبًا، مهدّدًا، وفي أقلّ من عامين جرى استدعاؤه سبع مرّات، في سبع قضايا، لأنّه حكى قصّةً، أو نشر مقالًا، أو تضامن مع مسجون، ودفع دومة (بالأحرى دفع عنه أصدقاؤه) ما يقرب من ربع مليون جنيه كفالات، ثمّ انتهى ذلك كلّه بحبسه على ذمّة قضية جديدة، بتهمة أنّه يزعم (كذبًا) أنّ الدولة تسجن من يختلف معها في الرأي (!).
لا تحتمي الدولة المصرية بالسجن لأنّها قوية، بل لأنّها عجزت عن أداء استحقاق حماية حرّيات المواطنين مقابل جزء منها. ليس السجن هنا استعراضًا للقدرة كما يبدو، بل اعتراف بالإفلاس، وشهادة رسمية بأنّ السلطة لم تعد قادرةً على إقناع أحد، فاكتفت بإسكات الجميع.
قد يبدو النظام في مصر مستقرًّا، لكنّه في حقيقته لا يعيش إلا بالسجن، ولا يطمئن إلا للسجن، ولا يتخيّل الدولة والحكم والسلطة والسياسة إلا سجنًا كبيرًا. ولهذا يبدو كلّ شيء هنا هشًّا على الرغم من هذه السيطرة كلّها، لأنّه يمكن للسجن أن يؤجّل الانفجار، لكنّه لا يستطيع أن يبني دولة.

