كشف الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر، عن وصول معدل شكاوى الإنترنت الثابت إلى 355 شكوى لكل 100 ألف مشترك خلال النصف الثاني من 2025، بينما رد الجهاز 757 ألف جنيه لمستخدمين ثبتت أحقيتهم، لتتحول الخدمة اليومية إلى ملف غضب واسع.
وفي المقابل، وضعت الحكومة هذا الغضب داخل خطاب رسمي يتحدث عن تحسن السرعات، بينما يدفع المواطن تكلفة أعلى مقابل باقات تنفد مبكرًا وخدمة لا تستقر. هكذا صار الإنترنت في مصر عبئًا منزليًا جديدًا، لا خدمة أساسية تحمي حق العمل والتعليم والتواصل.
أسعار أعلى وخدمة تضغط على ميزانية الأسر
بعد ذلك، جاءت زيادات أسعار الإنترنت الأرضي لتكشف أن الحكومة والشركات اختارتا نقل كلفة الأزمة إلى المستخدم مباشرة. فقد ارتفعت باقة 200 جيجابايت إلى 330.6 جنيه بعد الضريبة في ديسمبر 2024، بعدما كانت 225 جنيهًا، بينما صعدت باقة 400 جيجابايت إلى 649.8 جنيه.
لذلك، لا تبدو شكاوى المواطنين مجرد انزعاج من بطء مؤقت، بل احتجاج يومي على معادلة غير عادلة. المواطن يدفع مقدمًا، ثم يشتري باقات إضافية قبل نهاية الشهر، في وقت لا تقدم فيه الجهة المنظمة تفسيرًا شفافًا لسرعة الاستهلاك أو آليات القياس.
وفي هذا السياق، تخدم قراءة د. سالي صلاح محور التخطيط الاقتصادي، لأنها تربط الأزمات المتراكمة بغياب إدارة واضحة للسوق. فملف الإنترنت يعكس فشلًا في التخطيط لا نقصًا فنيًا فقط، لأن الخدمة ترتبط بالعمل الحر والتعليم والدفع الإلكتروني وكل نشاط يومي داخل البيوت.
شكاوى متصاعدة ورقابة بلا أنياب
ثم تكشف أرقام الشكاوى أن جهاز التنظيم يتعامل مع النتائج لا الأسباب. فارتفاع معدل شكاوى الإنترنت الثابت من 282 شكوى لكل 100 ألف مشترك في تقرير سابق إلى 355 شكوى في النصف الثاني من 2025 يثبت أن الأزمة اتسعت رغم لغة الاستجابة السريعة.
كما أن إعلان نسبة استجابة تصل إلى 98% لا يلغي جوهر الأزمة، لأن الاستجابة لا تعني بالضرورة علاج الخلل. المواطن يحتاج خدمة مستقرة وسعرًا عادلًا ومحاسبة واضحة، لا رقمًا رسميًا يصف سرعة الرد بينما تبقى الباقة نفسها محل شكوى يومية.
ومن هنا، تدعم د. عالية المهدي هذا المحور من زاوية الإدارة الاقتصادية والحوكمة. فحديثها المتكرر عن ضرورة تغيير السياسات الاقتصادية وفتح المجال للقطاع الخاص يضع ملف الإنترنت ضمن أزمة أوسع، حيث تحتكر الدولة القرار وتترك المواطن أمام شركات لا تخشى المحاسبة الحقيقية.
الغضب الشعبي يكشف فشل الخطاب الرسمي
في الوقت نفسه، حاولت الحكومة تسويق تحسن متوسط سرعة الإنترنت الثابت باعتباره إنجازًا رقميًا، لكن الشارع يقيس الخدمة بطريقة مختلفة. المستخدم لا يسأل عن ترتيب دولي، بل يسأل لماذا تنفد الباقة سريعًا، ولماذا يدفع أكثر، ولماذا لا يحصل على عقد خدمة واضح.
لذلك، يخدم رأي د. مراد علي محور أثر السياسات على السوق، لأنه يتناول الاقتصاد بوصفه منظومة ثقة. وعندما تفقد الأسرة ثقتها في عدالة التسعير وشفافية الاستهلاك، يتحول الإنترنت من أداة إنتاج إلى مصدر توتر مستمر بين المواطن ومقدم الخدمة والجهة المنظمة.
كذلك، يضيف د. محمد فؤاد زاوية الطلب والركود داخل السوق. فحديثه عن تراجع المبيعات في قطاعات مختلفة يوضح أن الضغط على دخل المواطنين لا يحتمل زيادات جديدة في خدمة أساسية، خاصة عندما تصبح الدراسة والعمل والتواصل الحكومي مرتبطة بالاتصال اليومي بالشبكة.
وفي النهاية، لا يحتاج ملف الإنترنت إلى بيان حكومي جديد بقدر ما يحتاج إلى كشف حساب علني. الحكومة مطالبة بتفسير التسعير والاستهلاك والاحتكار والرد على الشكاوى بلغة واضحة، لأن المواطن لم يعد يشتكي من رفاهية، بل من خدمة أساسية تخنقها السياسات قبل الأعطال.

