كشفت واقعة إطلاق النار العشوائي في مركز أبنوب بمحافظة أسيوط، مساء الاثنين 18 مايو 2026، وأسفرت عن مقتل 8 أشخاص وإصابة 5 آخرين، بعدما أطلق عاطف خلف أحمد سليم، البالغ نحو 48 عامًا، النار على مارة في الشارع قبل أن يلقى مصرعه خلال مطاردة أمنية، كشفت عن أن هذه المذبحة تتجاوز حدود جريمة فردية، لأنها وقعت في مركز يعاني من خصومات ثأرية مزمنة وانتشار السلاح وروايات محلية عن المخدرات والاضطرابات النفسية، بينما تواصل الحكومة التعامل مع الصعيد بمنطق المطاردات بعد الدم لا بمنطق الوقاية من السلاح والثأر والانهيار الاجتماعي.
بدأت الواقعة، بحسب روايات شهود وتحريات أولية، بعد اصطدام سيارة كان يقودها المتهم بدراجة نارية، ما تسبب في تجمع عدد من الأهالي حوله، قبل أن يخرج سلاحًا ناريًا من سيارته ويطلق النار بشكل عشوائي على الموجودين، في مشهد حوّل الصدفة إلى موت جماعي.
وبحسب الحصيلة التي نشرتها وسائل إعلام نقلًا عن بيانات وتحريات أمنية، فقد أسفر إطلاق النار عن وفاة 8 أشخاص وإصابة 5 آخرين، أي 13 ضحية بين قتيل ومصاب، رغم أن بعض الروايات الأولية بالغت أو اختلفت في توصيف العدد قبل استقرار الحصيلة الرسمية المنشورة.
حيازة السلاح عادة موروثة
كما نشرت مصادر محلية أسماء عدد من الضحايا، بينهم منصور مكرم حسن، وحنان منصور علي، وشاهين كرم شاكر، وعبير عبد العظيم حسن، والطفل زيزو أشرف خلف، إضافة إلى ضحايا آخرين، وهو ما أعاد للواقعة وجهها الإنساني بعيدًا عن اختزالها في اسم الجاني.
ثم تحركت الأجهزة الأمنية سريعًا بعد البلاغ، وتتبعت المتهم إلى منطقة زراعية بدائرة المركز، حيث تبادل إطلاق النار مع القوات قبل مقتله، لكن سرعة المطاردة لا تلغي السؤال الأهم، كيف ظل سلاح آلي قادر على حصد المارة خارج السيطرة حتى لحظة الانفجار.
وفي هذا المحور، يخدم رأي اللواء عادل عبد العظيم، مساعد وزير الداخلية الأسبق لقطاع جنوب الصعيد، قراءة انتشار السلاح، إذ قال سابقًا إن امتلاك السلاح في الصعيد عادة موروثة مع الثأر، وأن بعض الأهالي يتفاخرون بحيازة الأنواع الأقوى، وهو ما يشرح بيئة الخطر.
أبنوب بين الثأر والسلاح وذاكرة الدم
تضع قرية بني محمديات نفسها داخل خريطة اجتماعية معقدة، فهي تضم امتدادات محلية معروفة مثل بني محمد الشهابية وبني محمد المراونة وبني محمد العقب، وهي مناطق تحمل تاريخًا عائليًا وقبليًا طويلا، لكن هذا التاريخ يتحول إلى عبء قاتل حين يغيب القانون لصالح السلاح.
وتشير روايات محلية إلى أن مركز أبنوب ما زال يعاني من نحو 49 خصومة ثأرية قائمة، وهو رقم يحتاج إلى تحقق رسمي معلن، لكنه يعكس صورة اجتماعية يعرفها الأهالي جيدًا، حيث تتحول الخصومة القديمة إلى استعداد دائم للعنف وانتظار لجولة دم جديدة.
كذلك جاءت سيرة المتهم داخل عائلة لم تفارقها حكايات القتل، إذ تذكر روايات محلية أن والده قتل على يد شقيق زوجته، ثم قتل الخال لاحقًا، بينما بقي عاطف الأخ الأكبر بين شقيق توفي بالسرطان وخمس شقيقات متزوجات داخل القرية نفسها.
لكن تحميل الجريمة لتاريخ عائلي وحده يريح الدولة أكثر مما يفسرها، فالمشكلة ليست في عائلة واحدة فقط، بل في مركز تراكمت داخله الخصومات والسلاح والبطالة والمخدرات وضعف الخدمات، حتى أصبح المرور في توقيت خاطئ كافيًا كي يدفع مواطن حياته.
وفي هذا السياق، يخدم رأي الدكتور سامح المحمدي، أستاذ القانون بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، زاوية الثأر، إذ يرى أن ظاهرة الثأر في الصعيد لها أبعاد اجتماعية ونفسية واقتصادية وقانونية، وأن دراستها ميدانيًا في المنيا وأسيوط وسوهاج ضرورية لفهم جذورها.
من شيكاغو إلى أبنوب.. الدولة تترك أسباب القتل ثم تلاحق نتائجه
يتداول الأهالي أحيانًا مقارنة قاسية بين أبنوب وشيكاغو في معدلات جرائم القتل، مع اختلاف الدوافع، فشيكاغو ترتبط في المخيال العام بصراع عصابات على المال والمخدرات، بينما يرتبط العنف في أبنوب بالثأر والسلاح والعادات والاقتصاد المحلي المتروك بلا معالجة عميقة.
ولا تبدو المقارنة دقيقة إحصائيًا بالضرورة، لكنها تكشف إحساسًا محليًا بالخطر، فحين يرى الناس أن مركزًا ريفيًا ينافس مدن العنف في الذاكرة الشعبية، فهذا يعني أن الأمن لم يعد مجرد وجود قوات، بل قدرة الدولة على تفكيك مصادر القتل قبل وقوعه.
كما أن وصف المتهم بأنه مدمن شابو أو تاجر أو مريض نفسي ظل جزءًا من روايات متداولة، بينما ذكرت بعض التحريات أنه يعاني اضطرابات نفسية، وتبقى الحقيقة القضائية رهينة التحقيقات، لكن كل هذه الاحتمالات تقود إلى سؤال واحد عن فشل الرقابة والعلاج والمكافحة.
وفي هذا المحور، يخدم رأي تامر الشريف، أستاذ علم الاجتماع بجامعة المنيا، زاوية الحل، لأنه يرى أن مواجهة الثأر تحتاج لقاءات ميدانية مع أطراف الخصومات بعد رصد جغرافي دقيق، وأن تتولى ذلك لجان تضم أكاديميين متخصصين بعيدًا عن توظيف السياسة للخصومات.
وتحتاج أبنوب إلى ما هو أكثر من بيان أمني بعد كل مذبحة، فهي تحتاج خريطة معلنة للخصومات الثأرية، وحملة جدية لجمع السلاح، وملاحقة تجارة المخدرات، ورعاية نفسية مبكرة للحالات الخطرة، وعدالة ناجزة تمنع العائلات من التحول إلى محاكم مسلحة.
كما تحتاج الحكومة إلى مصارحة أهالي الصعيد بأن السلاح غير المرخص ليس رمز وجاهة ولا حماية، بل قنبلة مؤجلة في يد الغضب والمخدرات والثأر، فالرصاصة التي خرجت من سيارة في أبنوب لم تقتل خصمًا واحدًا، بل قتلت مارة لا علاقة لهم بالنزاع.
وفي النهاية، تكشف مجزرة أبنوب أن الحكومة تحضر بقوة بعد الدم، لكنها تغيب حين تتراكم أسبابه، فالسلاح كان موجودًا، والخصومات قائمة، والمخدرات حاضرة في الروايات، والاضطراب النفسي محتمل، ثم جاء الموت ليعلن أن الصعيد لا يحتاج مطاردة قاتل فقط، بل إنقاذ مجتمع كامل.

