تتجدد في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، مع الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة الفلسطينية، مشاهد الوجع الأول التي بدأت عام 1948، حين أُجبر مئات الآلاف من الفلسطينيين على مغادرة مدنهم وقراهم تحت وقع المجازر والحرب، لتتحول رحلة اللجوء المؤقتة إلى مأساة ممتدة عبر الأجيال.
وفي وقت يعيش فيه الفلسطينيون واحدة من أكثر الحروب دموية في قطاع غزة، يعود شبح التهجير مجدداً ليخيم على ذاكرة اللاجئين في لبنان، حيث تختلط روايات الماضي بصور الدمار والنزوح الحالية، في مشهد يعكس استمرار المأساة الفلسطينية بأشكال مختلفة.
مخيم عين الحلوة.. ذاكرة مفتوحة على النكبة
داخل مخيم عين الحلوة بمدينة صيدا جنوبي لبنان، تبدو الذاكرة الفلسطينية حاضرة في كل زاوية؛ الأزقة الضيقة، البيوت المتلاصقة، الجدران المتشققة، وصور القرى الفلسطينية التي ما تزال معلقة على أبواب المنازل، جميعها تحكي قصة شعب لم يتخلَّ عن حقه في العودة رغم مرور 78 عاماً على التهجير.
ويُعد مخيم عين الحلوة أكبر مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، إذ تأسس عام 1948 بالتزامن مع موجات النزوح الأولى، ويضم نحو 50 ألف لاجئ فلسطيني مسجل وفق بيانات الأمم المتحدة، بينما تشير تقديرات غير رسمية إلى أن عدد السكان يتجاوز 70 ألف نسمة، وسط ظروف معيشية وإنسانية معقدة.
ويصف الفلسطينيون “النكبة” بأنها اللحظة المفصلية التي شهدت تهجير نحو 957 ألف فلسطيني من أصل 1.4 مليون كانوا يعيشون في أكثر من 1300 قرية ومدينة فلسطينية، بالتزامن مع قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية عام 1948.
ورغم العقود الطويلة، لا تزال ذكرى النكبة تُحيى سنوياً داخل الأراضي الفلسطينية وفي مخيمات الشتات، باعتبارها تأكيداً على التمسك بحق العودة ورفض محاولات تصفية القضية الفلسطينية أو إسقاط الحقوق التاريخية بالتقادم.
حكايات اللجوء الأول تعود مع حرب غزة
في أحد أزقة المخيم، تجلس اللاجئة الفلسطينية زكية حسنين، البالغة من العمر 79 عاماً، لتستعيد تفاصيل الرحلة الأولى التي غادرت خلالها عائلتها مدينة حيفا الفلسطينية نحو جنوب لبنان.
تقول حسنين إن عائلتها خرجت من حيفا على أمل العودة بعد أيام قليلة، بعدما أخبرهم البعض أن الغياب لن يطول، لكن الأيام تحولت إلى سنوات، ثم إلى عمر كامل قضته العائلة في المنافي ومخيمات اللجوء.
وتوضح أن النكبة لم تكن مجرد انتقال جغرافي، بل كانت اقتلاعاً كاملاً من الأرض والهوية والحياة، مؤكدة أن الأجيال الفلسطينية الجديدة ما تزال تحمل الحلم ذاته الذي حمله الأجداد بالعودة إلى المدن والقرى الأصلية.
فقدان وألم ممتد عبر الأجيال
وتستعيد حسنين بحزن فقدان أحد أشقائها خلال رحلة اللجوء الأولى، مشيرة إلى أن العائلات الفلسطينية دفعت ثمناً إنسانياً باهظاً خلال النزوح، سواء عبر فقدان الأحبة أو التشرد أو الفقر والحرمان.
وترى أن ما يحدث اليوم في قطاع غزة يعيد إلى الأذهان صور النكبة الأولى، خاصة مع مشاهد النزوح الجماعي والقصف والتجويع، مؤكدة أن الفلسطينيين يخشون تكرار المأساة التاريخية بشكل جديد.
وتقول إن الحفاظ على الهوية الفلسطينية وحق العودة أصبح مسؤولية جماعية تتوارثها الأجيال، معتبرة أن صمود الفلسطينيين وتمسكهم بحقوقهم هو الضمانة الأساسية لعدم نجاح محاولات التهجير مجدداً.
أوضاع صعبة داخل مخيمات لبنان
ويعيش في لبنان نحو 489 ألف لاجئ فلسطيني من أصل قرابة 5.6 ملايين لاجئ فلسطيني مسجلين لدى وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”، فيما يعيش نحو 45% منهم داخل 12 مخيماً رسمياً تعاني اكتظاظاً شديداً وأزمات اقتصادية وخدمية متفاقمة.
وتشهد المخيمات الفلسطينية في لبنان منذ سنوات تراجعاً حاداً في الأوضاع المعيشية، مع ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، إضافة إلى القيود المفروضة على عمل اللاجئين الفلسطينيين، الأمر الذي ضاعف من معاناة السكان، خصوصاً مع الانهيار الاقتصادي اللبناني المستمر.
اجتياح 1982 ..ذكريات قاسية للبنانيين
ولا تنفصل ذاكرة النكبة لدى اللاجئين عن المحطات الدامية الأخرى التي شهدها لبنان، وعلى رأسها الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، والذي ترك آثاراً عميقة داخل المخيمات الفلسطينية.
وتتحدث حسنين عن تلك المرحلة بوصفها واحدة من أكثر الفترات قسوة، حيث كانت قوات الاحتلال تتقدم داخل الأحياء السكنية، فيما كان المدنيون يحاولون النجاة وسط القصف والخوف والنزوح المتكرر.
وترى أن الفلسطينيين عاشوا على مدار عقود سلسلة متواصلة من الحروب والتهجير، ما جعل المخيمات شاهداً دائماً على استمرار المعاناة الفلسطينية جيلاً بعد جيل.
رحلة نزوح محفورة في الذاكرة
أما اللاجئة الفلسطينية بهية صالح، البالغة من العمر 91 عاماً، فتروي تفاصيل رحلة نزوح طويلة بدأت من بلدة سبلان الفلسطينية، مروراً بعدد من المناطق اللبنانية مثل بنت جبيل وصور وعنجر ورميش.
وتقول إن العائلات الفلسطينية كانت تسلك الطرق الوعرة ليلاً هرباً من القصف والخطر، مشيرة إلى أنها تعرضت لإصابة خلال رحلة النزوح بعدما سقطت على حجر أثناء السير، لكنها ما تزال تتذكر تفاصيل الطريق والمشاهد التي رافقتها حتى اليوم.
وتصف صالح السنوات الأولى بعد النكبة بأنها كانت مليئة بالخوف والجوع والتشرد، مؤكدة أن التنقل المستمر بين المناطق اللبنانية ترك آثاراً نفسية وإنسانية عميقة في نفوس اللاجئين.
غزة تعيد إحياء مخاوف التهجير
وتأتي ذكرى النكبة هذا العام بينما يواصل الاحتلال الإسرائيلي حربه المدمرة على قطاع غزة، وسط تصاعد التحذيرات الفلسطينية والدولية من محاولات فرض واقع جديد عبر التهجير القسري والحصار والتجويع.
وبالتزامن مع حرب غزة، تتصاعد اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين في الضفة الغربية والقدس الشرقية، عبر عمليات القتل والاعتقال وهدم المنازل والتوسع الاستيطاني، في مشهد يرى فيه الفلسطينيون امتداداً لمشروع التهجير الذي بدأ عام 1948.
ويؤكد لاجئون فلسطينيون في لبنان أن ما يحدث اليوم يعيد استحضار الذاكرة الجماعية للنكبة، خاصة مع صور النزوح الجماعي للأطفال والعائلات تحت القصف، وهو ما يعمق المخاوف من تكرار سيناريو الاقتلاع والتهجير الذي عاشه الأجداد قبل ثمانية عقود.
العودة.. حق لا يسقط بالتقادم
ورغم مرور 78 عاماً على النكبة، لا يزال اللاجئون الفلسطينيون في لبنان يتمسكون بحق العودة إلى مدنهم وقراهم الأصلية، باعتباره حقاً تاريخياً وقانونياً لا يمكن التنازل عنه.
وفي المخيمات الفلسطينية، لا تزال أسماء القرى المهجرة محفوظة في الذاكرة والوثائق والأحاديث اليومية، بينما يحرص كبار السن على نقل روايات التهجير إلى الأبناء والأحفاد، حتى تبقى القضية الفلسطينية حية في الوعي الجماعي للأجيال القادمة.
وبين ذاكرة النكبة الأولى ومشاهد الحرب الحالية في غزة، يعيش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان حالة من القلق والترقب، لكنهم يؤكدون في الوقت نفسه أن عقود اللجوء الطويلة لم تنجح في انتزاع حلم العودة أو كسر ارتباطهم بالأرض الفلسطينية.

