كشفت حكومة مصطفى مدبولي عن خطط موسعة لتحويل البلاد إلى مركز إقليمي لتبادل وتصدير الكهرباء مستندة إلى قدرة إنتاجية تبلغ نحو 65 ألف ميجاوات مقابل استهلاك محلي يقترب من 39 ألف ميجاوات وهو ما تستخدمه السلطة للترويج لفكرة وجود فائض كبير يسمح بالتوسع في مشروعات الربط الكهربائي والتصدير الخارجي خلال السنوات المقبلة.
ويأتي هذا التوسع بينما يواجه المواطن المصري ارتفاعًا متواصلًا في أسعار الكهرباء وفواتير الاستهلاك وتكاليف المعيشة في وقت تتكرر فيه شكاوى ضعف كفاءة التوزيع والانقطاعات في بعض المناطق ما فتح باب الانتقادات تجاه سياسات الحكومة التي تروج لإنجازات التصدير والطاقة النظيفة بينما تتراجع قدرة قطاعات واسعة من المواطنين على تحمل تكاليف الخدمات الأساسية داخل البلاد.
فائض كهربائي على الورق وأزمة مستمرة داخل الشبكات
تؤكد وزارة الكهرباء أن مصر تمتلك قدرات إنتاجية ضخمة تسمح بالتوسع في تصدير الطاقة إلى الخارج خاصة بعد إنشاء محطات عملاقة خلال السنوات الأخيرة بدعم قروض واتفاقات دولية ضخمة شملت مشروعات تقليدية ومتجددة في عدة محافظات.
لكن خبراء في قطاع الطاقة يرون أن الحديث عن فائض الكهرباء لا يرتبط فقط بحجم الإنتاج بل بكفاءة الشبكات واستقرار الخدمة وقدرة الدولة على تقليل الفاقد الفني وضمان وصول الكهرباء بصورة مستقرة إلى جميع المناطق دون أعطال متكررة أو أزمات أحمال.
ويقول الدكتور حافظ سلماوي الرئيس الأسبق لجهاز تنظيم مرفق الكهرباء إن أي تقييم حقيقي لفائض الطاقة يجب أن يعتمد على كفاءة النقل والتوزيع وليس فقط على أرقام المحطات مؤكدا أن ضعف الشبكات المحلية يمكن أن يحول القدرات الإنتاجية إلى أرقام دعائية لا تعكس الواقع الكامل للخدمة.
كما يشير سلماوي إلى أن الحكومة ركزت خلال السنوات الماضية على التوسع في إنشاء المحطات العملاقة بينما تأخر تطوير أجزاء واسعة من شبكات التوزيع الداخلية وهو ما تسبب في استمرار مشكلات فنية تؤثر على استقرار الخدمة في بعض المحافظات والمناطق الشعبية.
وفي السياق نفسه يرى الدكتور جمال القليوبي أستاذ هندسة البترول والطاقة أن التوسع في إنتاج الكهرباء جرى بوتيرة أسرع من نمو الطلب الصناعي والإنتاجي داخل الاقتصاد المصري ما خلق فائضًا مرتبطًا بضعف النشاط الاقتصادي وليس بقوة حقيقية في السوق المحلية.
ويؤكد القليوبي أن ارتفاع أسعار الكهرباء على المصانع والأسر ساهم في تقليص معدلات الاستهلاك داخل قطاعات واسعة وهو ما انعكس على انخفاض الأحمال مقارنة بحجم القدرات المركبة التي أنشأتها الدولة خلال السنوات الأخيرة.
وبالتزامن مع ذلك تتزايد شكاوى المواطنين من الزيادات المستمرة في أسعار الكهرباء والتي أثرت بصورة مباشرة على تكلفة المعيشة خاصة مع اعتماد الحكومة سياسة رفع الدعم التدريجي تنفيذًا لشروط برامج التمويل والاتفاقات الاقتصادية الدولية.
وفي هذا الإطار انتقد الخبير الاقتصادي الدكتور إبراهيم نوار سياسات التوسع في الاقتراض لتمويل مشروعات الطاقة العملاقة مؤكدا أن الحكومة حمّلت المواطنين أعباء مالية ضخمة عبر رفع الأسعار بينما لم ينعكس ذلك على تحسن ملموس في مستويات العدالة الاجتماعية أو الخدمات اليومية.
ويضيف نوار أن الدولة تروج لفكرة تصدير الكهرباء باعتبارها إنجازًا اقتصاديًا بينما تتحمل الأسر المصرية فاتورة مرتفعة لتكاليف الإنتاج والبنية التحتية مشيرا إلى أن المواطن أصبح يدفع ثمن المشروعات مرتين عبر الضرائب ثم عبر ارتفاع أسعار الخدمات الأساسية.
الطاقة المتجددة بين الدعاية الرسمية وتحديات التشغيل
تضع الحكومة مشروعات الطاقة الشمسية والرياح في قلب خطتها للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة خاصة مع التوسع في مشروعات أسوان وخليج السويس ومناطق الساحل الغربي ضمن استراتيجية تستهدف رفع مساهمة الطاقة المتجددة إلى 40% بحلول عام 2030.
وتبرز محطة أبيدوس للطاقة الشمسية في أسوان باعتبارها أحد المشروعات التي تروج لها الحكومة كنموذج للتحول نحو الطاقة النظيفة حيث تعتمد المحطة على تقنيات تخزين الكهرباء باستخدام البطاريات لضمان استمرار الإمدادات بعد غروب الشمس.
لكن خبراء الطاقة يرون أن التوسع في الطاقة المتجددة لا يكفي وحده لتحقيق طفرة حقيقية في التصدير ما لم يصاحبه تطوير شامل للبنية التحتية وقدرات التخزين والشبكات الذكية القادرة على استيعاب التغيرات المستمرة في إنتاج الطاقة النظيفة.
ويؤكد الدكتور جمال القليوبي أن مشروعات الطاقة المتجددة تحتاج إلى استثمارات ضخمة في تقنيات التخزين والنقل لأن الاعتماد على الشمس والرياح وحدهما دون بنية قوية قد يؤدي إلى اضطرابات في استقرار الشبكة خلال أوقات الذروة.
كما يلفت القليوبي إلى أن الحكومة توسعت في الإعلان عن مشروعات جديدة دون تقديم تفاصيل كافية حول التكلفة الاقتصادية الحقيقية أو العائد الفعلي على الاقتصاد المحلي مشيرا إلى أن جزءًا كبيرًا من هذه المشروعات يعتمد على تمويلات خارجية طويلة الأجل.
ومن ناحية أخرى يرى خبراء أن الدولة ركزت على تصدير صورة دولية حول التحول الأخضر والطاقة النظيفة بهدف جذب التمويلات والاستثمارات الأجنبية بينما لا تزال قطاعات واسعة من الصناعة المحلية تواجه أزمات في توفير الطاقة بأسعار تنافسية.
ويقول الدكتور حافظ سلماوي إن نجاح أي خطة للطاقة المتجددة يجب أن يقاس بقدرتها على دعم الاقتصاد الوطني وخفض تكلفة الإنتاج المحلي وليس فقط بعدد المحطات التي يتم افتتاحها أو الاتفاقات التي توقعها الحكومة مع الشركات الأجنبية.
كما يشير سلماوي إلى أن غياب الشفافية الكاملة حول تكلفة إنتاج الكهرباء المتجددة وآليات التسعير يجعل من الصعب تقييم العائد الحقيقي للمشروعات التي تنفذها الدولة خاصة في ظل الاعتماد على استيراد جانب كبير من المعدات والتقنيات المستخدمة.
وفي المقابل تتزايد المخاوف من أن يتحول ملف الطاقة المتجددة إلى مساحة جديدة لتوسيع الديون الخارجية مع استمرار الحكومة في الاقتراض لتنفيذ مشروعات ضخمة بينما تعاني قطاعات حيوية أخرى مثل التعليم والصحة من نقص التمويل والخدمات الأساسية.
الربط الكهربائي والتصدير الخارجي وسط ضغوط الداخل
تواصل مصر تنفيذ مشروعات الربط الكهربائي مع دول عربية وإفريقية عدة من بينها السعودية والأردن وليبيا والسودان ضمن خطة تهدف إلى تحويل البلاد إلى مركز إقليمي لتبادل الطاقة وتصدير الكهرباء إلى الأسواق المجاورة.
ويعد مشروع الربط الكهربائي مع السعودية من أكبر المشروعات المطروحة حاليا بقدرة تصل إلى 3 آلاف ميجاوات حيث تعتمد الحكومة على اختلاف أوقات الذروة بين البلدين لتحقيق تبادل للطاقة وتقليل الضغط على الشبكات.
لكن خبراء يرون أن نجاح هذه المشروعات يرتبط بقدرة الدولة على الحفاظ على استقرار الشبكة المحلية أولا لأن أي خلل داخلي قد ينعكس مباشرة على التزامات التصدير والربط الإقليمي خلال فترات الأحمال المرتفعة أو الأزمات المفاجئة.
ويؤكد الدكتور إبراهيم نوار أن الحكومة تركز بصورة مفرطة على تصدير الكهرباء باعتباره مصدرًا للعملة الأجنبية بينما تتجاهل الأعباء الاقتصادية التي يتحملها المواطن نتيجة ارتفاع الأسعار وسياسات رفع الدعم المرتبطة بقطاع الطاقة.
ويضيف نوار أن الدولة تتعامل مع الكهرباء باعتبارها سلعة للتصدير والاستثمار أكثر من كونها خدمة أساسية للمواطن مشيرا إلى أن هذا التوجه أدى إلى زيادة الضغوط على الأسر محدودة الدخل التي تواجه ارتفاعًا مستمرًا في تكاليف المعيشة والخدمات.
كما يشير خبراء إلى أن الحديث عن الربط مع أوروبا عبر البحر المتوسط لا يزال يواجه تحديات تقنية وتمويلية ضخمة تتعلق بالبنية التحتية والتكلفة العالية والاستقرار التشغيلي المطلوب لتنفيذ مشروعات بهذا الحجم.
وفي الوقت نفسه تتكرر التحذيرات من أن استمرار الاعتماد على الاقتراض الخارجي لتمويل مشروعات الطاقة قد يزيد من الضغوط الاقتصادية مستقبلا خاصة مع ارتفاع تكلفة خدمة الدين وتراجع قدرة الاقتصاد المحلي على توليد موارد إنتاجية حقيقية.
ويرى مراقبون أن الحكومة تحاول استخدام ملف الكهرباء والطاقة كواجهة دعائية لإظهار نجاحات اقتصادية خارجية بينما تتسع داخليا دائرة الغضب بسبب ارتفاع الفواتير وتراجع القدرة الشرائية وزيادة أعباء الحياة اليومية على ملايين المواطنين.
وفي ختام المشهد تبدو خطط تصدير الكهرباء والربط الإقليمي مرتبطة أكثر برغبة السلطة في تسويق صورة الدولة القادرة على لعب دور إقليمي كبير بينما لا تزال أزمات الداخل تضغط بقوة على المواطنين الذين يواجهون ارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات الأساسية بصورة متواصلة.

