يناقش الكاتبان بيت رينولدز وشاربل بركات في تقرير نشرته المجلة التحولات العميقة التي فرضتها الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وكيف أعادت تشكيل موازين القوى بين الولايات المتحدة والصين داخل الخليج العربي. ويرى التقرير أن مضيق هرمز تحول إلى مساحة حساسة تجمع بين التنافس الجيوسياسي والتنسيق الحذر، في ظل تراجع قدرة واشنطن على فرض هيمنتها المنفردة وصعود النفوذ الصيني اقتصاديًا ودبلوماسيًا.
ونشرت المجلة التقرير بالتزامن مع زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى بكين ولقائه الرئيس الصيني شي جين بينج، وسط تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب على إيران وأزمة الملاحة في مضيق هرمز. ويؤكد التقرير أن الخليج لم يعد مجرد ساحة نفوذ أميركي، بل أصبح ميدانًا لتوازنات جديدة تفرض على القوى الكبرى البحث عن مساحات للتفاهم إلى جانب المنافسة.
الحرب على إيران تعيد رسم موازين القوى
دخلت واشنطن الحرب على إيران وهي تسعى لتحقيق انتصار سريع يعيد تثبيت النفوذ الأميركي في المنطقة، لكن التطورات الميدانية كشفت حدود القوة العسكرية الأميركية وأظهرت قدرة طهران وحلفائها على استنزاف الضغوط الغربية. وفي المقابل، استفادت بكين من الأزمة عبر تعزيز صورتها كقوة دولية تدعو إلى التهدئة والحلول السياسية.
أشار التقرير إلى أن الصين استعدت مبكرًا لاحتمالات اضطراب الطاقة عبر تخزين كميات ضخمة من الوقود، ما خفف من تأثير الأزمة على اقتصادها. كما ساعدت العقوبات الأميركية على تسريع تطوير التكنولوجيا الصينية محليًا، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، وهو ما منح بكين مساحة أوسع للمناورة أمام الضغوط الأميركية.
ورأى محللون أن ترامب سعى خلال زيارته للصين إلى تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية قبل الانتخابات النصفية الأميركية، خصوصًا مع اقتراب انتهاء الهدنة التجارية المؤقتة بين واشنطن وبكين. لكن الصين تدخل المفاوضات من موقع أكثر ثقة، بعدما أدركت أن التصعيد الأميركي لا يقود دائمًا إلى الحسم.
مضيق هرمز يتحول إلى مركز الصراع العالمي
برز مضيق هرمز في قلب الأزمة باعتباره شريانًا حيويًا للطاقة والتجارة العالمية. فتعطل الملاحة وفرض رسوم عبور باليوان الصيني أثارا مخاوف أميركية متزايدة بشأن مستقبل هيمنة الدولار على تجارة النفط العالمية.
ورغم أن الحرب أضرت بالمصالح الصينية نتيجة اضطراب شحنات النفط والتجارة البحرية، فإن بكين رفضت تحويل المضيق إلى أداة ضغط جيوسياسي، خوفًا من انعكاسات ذلك على الاقتصاد العالمي وعلى مصالحها التجارية مع دول الخليج.
كما كشف التقرير عن تغير ملحوظ في مواقف دول الخليج العربي التي بدأت تعيد تقييم اعتمادها الأمني الكامل على الولايات المتحدة، خاصة بعد تعثر الحرب وتراجع فعالية الردع الأميركي. ودفع ذلك بعض العواصم الخليجية إلى توسيع الشراكات الاقتصادية والسياسية مع الصين، في محاولة لبناء توازن جديد يضمن هامشًا أكبر من الاستقلال الاستراتيجي.
وأشار باحثون إلى أن واشنطن اضطرت إلى تحويل جزء من قدراتها العسكرية بعيدًا عن منطقة المحيطين الهندي والهادئ نحو الشرق الأوسط، وهو ما منح الصين فرصة لتعزيز نفوذها في ملفات التجارة وتايوان والتكنولوجيا.
الخليج بين التنافس والتنسيق الأميركي الصيني
رغم احتدام المنافسة، يرى التقرير أن الطرفين يمتلكان دوافع مشتركة تمنعهما من الانزلاق إلى مواجهة مباشرة داخل الخليج. فاستقرار المنطقة يظل ضروريًا للطاقة العالمية وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية، كما أن أي انهيار واسع قد يضر بمصالح واشنطن وبكين معًا.
لعبت الصين خلال الأزمة دور الوسيط غير المباشر، حيث دعمت جهود التهدئة وشجعت طهران على القبول بهدنة أبريل، كما حافظت على قنوات الاتصال مع الرياض وطهران مستفيدة من اتفاق المصالحة الذي رعته عام 2023.
في الوقت نفسه، حاول ترامب دفع الصين إلى ممارسة ضغوط على إيران للقبول بتنازلات تتعلق بالبرنامج النووي وأمن الملاحة في هرمز، بينما تسعى بكين إلى توظيف نفوذها لتحقيق مكاسب تجارية وسياسية أوسع في علاقتها مع الولايات المتحدة.
ويخلص التقرير إلى أن الخليج يتجه نحو مرحلة جديدة من “التعايش الجيوسياسي التنافسي”، حيث تستمر الشراكة الأمنية الخليجية مع واشنطن بالتوازي مع توسع العلاقات الاقتصادية مع الصين. وفي ظل هذا المشهد المعقد، لم يعد السؤال متعلقًا بالانحياز إلى قوة كبرى واحدة، بل بكيفية إدارة التناقضات بين قوتين تتنافسان على إعادة تشكيل النظام الدولي بينما تتقلص فرص الحسم الكامل لأي طرف.
https://en.majalla.com/node/331069/politics/amid-us-china-competition-gulf-there-room-cooperation

