كشفت دراسة صادرة عن مركز حلول للسياسات البديلة في مايو الجاري عن اتساع الفجوة بين مشروعات الإسكان التي تنفذها الحكومة واحتياجات المصريين الفعلية، بعدما اتجهت الدولة بصورة متسارعة نحو بناء وحدات فاخرة وفوق متوسطة في العاصمة الإدارية والمدن الذكية، بينما تراجعت حصة الإسكان منخفض التكلفة رغم تزايد معدلات الحرمان العمراني وارتفاع أسعار الوحدات الحكومية إلى أكثر من 10 ملايين جنيه في بعض المناطق.

 

ربطت الدراسة بين هذا التحول وسياسات اقتصادية اعتمدت تحويل الدولة إلى مطور عقاري ينافس القطاع الخاص في الفئات الأعلى سعراً، بالتزامن مع انهيار قيمة الجنيه وارتفاع التضخم وتآكل القدرة الشرائية، ما دفع قطاعات واسعة من المواطنين خارج سوق السكن تماماً، بينما توسعت الحكومة في مشروعات استثمارية تخدم القادرين على حفظ أموالهم داخل العقارات الفاخرة أكثر من تلبية الحق الأساسي في السكن.

 

الحكومة توسع الإسكان الفاخر وتتراجع عن دورها الاجتماعي

 

أظهرت بيانات الدراسة أن الدولة كثفت استثماراتها خلال السنوات الأخيرة في مشروعات الإسكان الفاخر والمدن الذكية، خصوصاً في العاصمة الإدارية الجديدة والعلمين الجديدة والمنصورة الجديدة وجبل الجلالة ومشروع “جريان”، بينما تراجع حجم الإنفاق الموجه للإسكان الشعبي مقارنة بحجم الطلب الحقيقي داخل السوق المصرية.

 

كما أشارت الدراسة إلى أن أكثر من ثلث السكان يعانون من الحرمان العمراني، بسبب غياب مقومات السكن اللائق من مياه وصرف صحي وخدمات أساسية، في وقت تواصل فيه الحكومة ضخ مليارات الجنيهات في مشروعات تستهدف الفئات الأعلى دخلاً والمستثمرين العقاريين.

 

وفي هذا السياق، قال خبير الإسكان ممدوح حمزة إن الدولة تخلت تدريجياً عن دورها الاجتماعي في توفير السكن الشعبي وتحولت إلى مطور عقاري يسعى لتحقيق أرباح ومبيعات داخل سوق الإسكان الفاخر، بينما تُرك محدودو الدخل أمام سوق عقارية لا يملكون القدرة على دخولها.

 

وأضاف حمزة أن الحكومة تمتلك بالفعل ملايين الوحدات القابلة لإعادة التوظيف عبر نظام الإيجار منخفض التكلفة، لكن السياسات الحالية تفضل ضخ استثمارات ضخمة في مشروعات مرتفعة السعر رغم تراجع القدرة الشرائية لغالبية المواطنين بصورة حادة خلال السنوات الأخيرة.

 

وبالتزامن مع ذلك، شهدت أسعار الوحدات الحكومية قفزات كبيرة بعد انهيار قيمة الجنيه وارتفاع معدلات التضخم، حيث ارتفعت أسعار بعض الوحدات من مليوني جنيه إلى أكثر من 10 ملايين جنيه، وهو ما جعل حتى مشروعات الدولة بعيدة عن متناول الطبقة المتوسطة.

 

كذلك وسعت الحكومة خلال الأشهر الأخيرة نطاق الشراكة مع القطاع الخاص في قطاعات المياه والإسكان الاجتماعي، بعدما أعلنت وزارة الإسكان فتح هذه المجالات أمام المستثمرين ضمن وثيقة “ملكية الدولة”، في خطوة اعتبرها مراقبون انسحاباً تدريجياً للدولة من مسؤوليتها الاجتماعية المباشرة.

 

العقارات تحولت إلى أداة استثمار بينما يختفي السكن الميسر

 

تحول مشروع “ذا سباين” في شرق القاهرة إلى نموذج واضح للسياسات العقارية الجديدة، بعدما حقق المشروع مبيعات قاربت 40 مليار جنيه خلال أسبوعه الأول، وسط حملات تسويق ركزت على العقارات باعتبارها وسيلة لحفظ القيمة وجذب السيولة في مواجهة التضخم.

 

وفي المقابل، تراجعت الأولوية المرتبطة بتوفير السكن الملائم لذوي الدخول المحدودة، بينما اتجهت الشركات والحكومة إلى تسويق وحدات تعتمد على مقدمات بملايين الجنيهات وأقساط شهرية تتجاوز 200 ألف جنيه، وهي أرقام تفوق دخول غالبية المصريين بمراحل واسعة.

 

ومن جانبه، قال الخبير الاقتصادي أحمد بدرة إن التوسع في المشروعات العقارية الفاخرة يعكس توجيه رؤوس الأموال نحو قطاعات غير إنتاجية، لأن الاقتصاد الحقيقي يحتاج إلى دعم الصناعة والزراعة والخدمات المرتبطة بالتشغيل وليس الاعتماد على المضاربة العقارية وحفظ القيمة.

 

وأضاف بدرة أن تحويل العقارات إلى أداة استثمارية بدلاً من اعتبارها حقاً اجتماعياً أدى إلى تشوهات حادة داخل السوق، حيث ارتفع المعروض من الوحدات الفاخرة بالتزامن مع تراجع الطلب الحقيقي نتيجة ضعف القدرة الشرائية واتساع معدلات الفقر والتضخم.

 

كما حذر وزير التضامن الأسبق جودة عبد الخالق من اتساع ظاهرة المدن الشاغرة التي تضم آلاف الوحدات المغلقة وغير المأهولة، مؤكداً أن استمرار بناء وحدات مرتفعة السعر دون وجود طلب حقيقي يمثل خطراً اقتصادياً واجتماعياً متصاعداً.

 

وأشار عبد الخالق إلى أن الفجوة بين الدخول والأسعار وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، بعدما بات المواطن العادي يحتاج إلى عشرات السنين من العمل لشراء وحدة سكنية صغيرة، بينما أصبحت المدن الذكية الجديدة بعيدة عملياً عن الطبقات الفقيرة والمتوسطة.

 

وفي الوقت نفسه، قدرت دراسات عمرانية عدد الوحدات الشاغرة داخل السوق المصرية بما يتراوح بين 7 و13 مليون وحدة، وهو ما دفع الحكومة إلى إعادة طرح مشروعات الإسكان الاجتماعي بفائدة مدعومة تبلغ 8% متناقصة على مدار 20 عاماً لمحاولة امتصاص هذا الفائض العقاري.

 

مشكلات فنية وتأخير في التسليم يضاعفان أزمة السكن

 

اشتكى مواطنون من مشكلات فنية متكررة داخل عدد من المشروعات الحكومية المصنفة فوق متوسطة، من بينها سوء التشطيبات وتأخر التسليم لفترات تتراوح بين سنتين وخمس سنوات، إضافة إلى ظهور عيوب مرتبطة بالبنية التحتية والتأسيس داخل بعض المشروعات الجديدة.

 

كما أثارت هذه المشكلات تساؤلات حول أولويات الإنفاق داخل قطاع الإسكان، خاصة مع استمرار الحكومة في التوسع بمشروعات جديدة مرتفعة التكلفة رغم عدم الانتهاء الكامل من معالجة أزمات التسليم والجودة داخل المشروعات القائمة بالفعل.

 

وفي هذا الإطار، قال أستاذ التخطيط العمراني خالد صديق إن التركيز الحكومي على التوسع الكمي في المدن الجديدة جاء أحياناً على حساب معايير الكفاءة الاجتماعية وجودة الخدمات، موضحاً أن نجاح أي مشروع عمراني يرتبط بقدرته على جذب السكان الحقيقيين وليس فقط تحقيق مبيعات مرتفعة.

 

وأضاف صديق أن التوسع في بناء وحدات لا تتناسب مع دخول غالبية المواطنين يخلق مدناً ضعيفة الكثافة السكانية تعتمد على المضاربة العقارية أكثر من اعتمادها على التنمية الحضرية المستدامة، وهو ما يهدد بتحويل أجزاء واسعة من هذه المدن إلى تجمعات شبه خالية.

 

وبالتزامن مع ذلك، تؤكد غرفة المطورين العقاريين أن السوق المصرية تحتاج إلى نحو مليون وحدة سكنية سنوياً، لكن نحو 80% من الوحدات المنفذة حالياً تتركز في الفئات المتوسطة والفاخرة، وهو ما يعكس استمرار اختلال التوازن بين العرض والطلب الحقيقي داخل السوق.

 

كما يرى متابعون أن الحكومة باتت تنظر إلى العقارات باعتبارها أداة لجذب السيولة وتمويل المشروعات الكبرى، بينما تراجع التعامل مع السكن بوصفه حقاً اجتماعياً يرتبط بحياة المواطنين واستقرارهم وقدرتهم على تكوين أسر داخل بيئة معيشية مناسبة.

 

وفي ظل اتساع الفجوة بين أسعار العقارات ومستويات الدخل، تواجه الحكومة اتهامات متزايدة ببناء مدن لا تناسب أغلب المصريين، بينما تتراجع فرص الحصول على سكن ملائم لملايين الأسر تحت ضغط التضخم وارتفاع الأسعار وتحويل سوق العقارات إلى مساحة استثمارية مغلقة أمام محدودي الدخل.