جدل واسع شهدته منصات التواصل الاجتماعي في مصر خلال الأيام الأخيرة، وذلك في أعقاب الكشف عن ملامح قانون الأحوال الشخصية الجديد، الذي تضمن مجموعة من البنود التي أثارت اعتراضات واسعة، بخاصة النص على السماح للزوج بفسخ عقد الزوجية إذا ما ثبت غش الزوج في غضون 6 شهور من الزواج. 

 

ويقول المستشار عبدالرحمن محمد رئيس لجنة إعداد قانون الأحوال الشخصية في تصريحات تلفزيونية، إنّ مشروع القانون يتيح للزوجة إبطال الزواج من زوجها حال أدخل عليها الغش بأن ادعى لنفسه ما ليس فيه، وذلك كأن يدعي حصوله على شهادة علمية معينة على غير الحقيقة، أو أنه يتمتع بوضع اجتماعي معين مغاير للحقيقة، مثل الادعاء بأنه غني ويملك سيارة، على غير الواقع.

 

ووفق مسودة القانون- الذي ادعى رئيس اللجنة المشرفة على إعداده أن 90% من بنوده حظيت بموافقة الأزهر والمفتي- فإن غش الزوجة لزوجها في البكارة لا يستوجب فسخ عقد الزواج تلقائيًا، وهو ما أثار جدلاً واعتراضات واسعة لغض الطرف عما ينافي حقيقة كون الزوجة بكرًا كما ادعت في عقد الزواج.

 

وعلى الرغم مما أثاره رئيس اللجنة حول تأييد الأزهر لغالبية بنود مشروع القانون، فإن حالة من الصمت المريب تهيمن على موقف المشيخة دفعت الكثيرين إلى مطالبتها بكسر الصمت، والرد على كل ما يثار في وسائل الإعلام بصدد مشروع قانون الأحوال الزوجية.

 

ومن هؤلاء الكاتب مؤمن الهباء، الذي توجه بالنداء إلى شيخ الأزهر عبر صحفته على موقع "فيسبوك"، قائلاً: "أحترمك وأقدرك وأثق بك يا فضيلة الإمام.. وألتمس لك الف عذر.. لكن عندما يصل الأمر إلى تدمير الأسرة المصرية لم يعد هناك مبرر أو عذر  للسكوت.. إن لم تتكلم اليوم فمتى تتكلم .. تكلم يافضيلة الإمام بعلمك وهدوئك ورصانتك حتى تغلق ألف باب مفتوحة للفتنة.. تكلم وأجرك على الله. الأمر جد خطييير".

 

 

هيئة كبار العلماء تعد مواد مشروع قانون للأحوال الشخصية

 

وكانت هيئة كبار العلماء، برئاسة الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر انتهت في أبريل 2019 من المراجعة النهائية لمواد مشروع قانون الأحوال الشخصية الذي أعدته لجنة شكلها شيخ الأزهر بهدف صياغة قضايا الأحوال الشخصية الموزعة على أكثر من قانون، في نسق قانوني موحد، يتسم بالتجانس والشمولية.

 

وجرت مناقشة ومراجعة مشروع القانون، المكون من 192 مادة، عبر سلسلة من الاجتماعات الأسبوعية المتواصلة لهيئة كبار العلماء، التي أخذت في اعتبارها مختلف الآراء والمقترحات المطروحة حول القضايا التي يتناولها مشروع القانون، ومن المقرر أن يقوم فضيلة الإمام الأكبر خلال الأيام القادمة بإحالة مشروع القانون للجهات المختصة.

 

وكان شيخ الأزهر، قد أصدر قرارًا في 18 أكتوبر 2017 بتشكيل "لجنة لإعداد مقترح مشروع قانون لتعديل بعض أحكام القوانين المصرية المتعلقة بالأحوال الشخصية؛ لضمان توسيع نطاق الحفاظ على حقوق الأسرة المصرية". وعقدت اللجنة التي ضمت قامات فقهية وقانونية رفيعة أكثر من 30 اجتماعا انتهت خلالها من صياغة مشروع القانون، وأحالته إلى هيئة كبار العلماء، أعلى مرجعية شرعية بالأزهر الشريف.

 

ودعا شيخ الأزهر، خلال ترأسه للاجتماع الأول للجنة، إلى ضرورة أن يتضمن مشروع القانون المقترح آلية محكمة لتنفيذ الأحكام القضائية الخاصة بقضايا الأسرة، ومراعاة تقديم نفقة عادلة للمرأة في حالة الانفصال؛ بما يضمن رعاية جيدة للأطفال، ووضع نصوص محكمة للالتزام بضوابط الحضانة، ومعالجة المشاكل الناتجة عن تعدد الزوجات، وضبط الحقوق والواجبات المترتبة على الطلاق.


لكن منظمات حقوقية اعترضت على مبدأ تصدي المشيخة لصياغة قانون، ليؤكد شيخ الأزهر أن المشيخة ليست جهة تشريع ولا إقرار قوانين، لكن حين يكون الأمر متعلقًا بقوانين مصدرها الشريعة الإسلامية فهذا عملنا وواجبنا بحكم الدستور والقانون، وحين طلبت الجهات المعنية الرأي، قدمنا مشروع قانون الأحوال الشخصية للنقاش في البرلمان والمجتمع، والمشروع حاول تحقيق التوازن لمصلحة الأسرة والطفل.

 

وأكد الطيب أنه حين يتصدى الأزهر لمشروع قانون الأحوال الشخصية كمشروع قانون فهو يزاول عمله أو واجبه الأول بحكم الدستور وبحكم القانون وحتى بحكم العامة؛ لأن العامة لا تقبل أن يقنن لها من لا علم له بشريعته أو بأمور الأسرة من زواج وطلاق وميراث وغيرها، مشددًا على أن الأزهر لن يفرط في رسالته قيد أنملة فيما يتعلق بالشريعة الإسلامية، فنحن حراس على هذه الأمانات، والإسلام بشريعته أمانة في أيدينا، وهذا حقنا كفله لنا الدستور والدولة، وقبل ذلك وبعده جماهير الأمة في شرق البلاد وغربها.

 

لكن على مدار أكثر من 6 سنوات ظل مشروع القانون الذي أعدته هيئة كبار العلماء بالأزهر، إلى أن تجدد الجدل خلال الشهور الأخيرة حول القوانين ذات الصلة بالأسرة.
 

ملامح مشروع الأزهر 

 

وعلى الرغم من جاهزية مشروع الأزهر، إلا أنه جرى التكتم حول مصيره، بخاصة عقب كشف تقارير صحفية في فبراير الماضي عن أهم ملامح ومواد مشروع القانون الذي تتضمن العديد من المواد والبنود التي تحقق مصلحة الطفل وحمايته، والوصول إلى آلية محكمة لتنفيذ الأحكام القضائية الخاصة بقضايا الأسرة، ومراعاة تقديم نفقة عادلة للمرأة في حال وقوع الطلاق بما يضمن تحقيق رعاية جيدة للأطفال، ووضع نصوص محكمة للالتزام بضوابط الحضانة، وضبط الحقوق والواجبات المترتبة على الطلاق.

 

وتناولت بنود قانون الأحوال الشخصية الذي أعده الأزهر ما يتعلق بالاستضافة وترتيب الحضانة بما يعود بالمصلحة على الطفل، وأكدت اللجنة ضرورة أن يحقق القانون الجديد العدل والمساواة لكل أفراد الأسرة والحفاظ على حقوق الأفراد بما لا يخالف الشريعة الإسلامية والدستور ومواثيق حقوق الإنسان عامة والمرأة والطفل.

 

ومن أبرز التعديلات التي عرضها القانون أمورًا تخص النفقة وحضانة الطفل والطلاق وسن الحضانة ورؤية الطفل وبيت الطاعة، مضيفة أنه عند وقوع أي خلاف في بيت الزوجية لا بد أن يتبع ما أمر به الشرع، وهو الإمساك بالمعروف أو التسريح بالإحسان.

 

وناقشت اللجنة كل ما يتعلق بحضانة الأم المطلقة لأبنائها وتحديد سن حضانة الطفل، وتنظيم رؤية الطفل حال وقوع الطلاق، إذ أكد أعضاء اللجنة أن الرؤية في الإسلام حق شرعي وقانوني للأب لا يجوز منعه منها، والأم التي تمنع ذلك يعاقبها القانون، والقانون ينظم هذه الرؤية، أما إذا أراد الأب أخذ ابنه- أو ابنته- لمدة معينة أسبوعًا أو شهرًا مثلًا فيجب أن يكون بالتراضي حتى تضمن الأم أنه سيعيده بعد الفترة المتفق عليها.

 

وعلى الرغم من ذلك، لم يُشر من قريب أو بعيد إلى الأخذ بمشروع الأزهر، أو حتى بعض بنوده، وهو ما يثير تساؤلات حول أسباب ذلك، بخاصة في ظل صمت شيخ الأزهر، وعدم صدور تعليق عنه في خضم الجدل المثار حاليًا، الأمر يرجح معه مراقبون إمكانية وقوع خلافات بشأنه.