أعلنت مجموعة مجموعة طلعت مصطفى القابضة تسجيل ارتفاع في أرباحها خلال الربع الأول من عام 2026 بنسبة 24% على أساس سنوي، لتصل إلى 5.5 مليار جنيه، بالتزامن مع صعود الإيرادات الإجمالية إلى 13.1 مليار جنيه بنسبة نمو بلغت 39%، مدفوعة بتوسع أنشطة التطوير العقاري والضيافة داخل مصر وخارجها، في وقت تتواصل فيه أزمة السكن وارتفاع الأسعار التي تضغط على ملايين المصريين.

 

تعكس هذه القفزة في أرباح واحدة من أكبر شركات التطوير العقاري في مصر حجم التفاوت المتزايد داخل الاقتصاد المصري، حيث تحقق الشركات العقارية الكبرى عوائد ضخمة من بيع المشروعات الفاخرة والتوسع الإقليمي، بينما تواجه قطاعات واسعة من المواطنين صعوبة متزايدة في شراء السكن أو حتى تحمل تكاليف الإيجارات والخدمات الأساسية تحت وطأة التضخم وارتفاع تكلفة المعيشة.

 

التطوير العقاري يقود قفزة الأرباح

 

فيما أظهرت البيانات المالية للمجموعة أن قطاع التطوير العقاري كان المحرك الرئيسي لنمو الأرباح، بعدما ارتفعت إيراداته بنسبة 62% لتصل إلى 6.1 مليار جنيه خلال الربع الأول، مدعومًا بتسارع وتيرة التنفيذ والتسليم داخل عدد من المشروعات السكنية والتجارية.

 

كما ساهم التوسع الخارجي للمجموعة في دعم النتائج المالية، خاصة بعد بدء تسجيل إيرادات فعلية من مشروع “بنان” في السعودية، وهو المشروع الذي أصبح يمثل أكثر من نصف إيرادات قطاع التطوير العقاري خلال الفترة الأخيرة وفق البيانات المعلنة.

 

كذلك يرى الخبير الاقتصادي الدكتور ممدوح الولي أن الطفرة المستمرة في أرباح شركات العقارات الكبرى تعكس تحولًا متزايدًا داخل الاقتصاد المصري نحو توجيه الاستثمارات إلى الأنشطة العقارية باعتبارها الملاذ الأكثر ربحية لرأس المال خلال سنوات التضخم وتراجع قيمة العملة.

 

وأضاف ممدوح الولي أن التوسع العقاري الضخم لم ينجح حتى الآن في حل أزمة الإسكان الحقيقية الخاصة بمحدودي ومتوسطي الدخل، لأن أغلب المشروعات الجديدة تتجه إلى الشرائح الأعلى قدرة شرائية، بينما تتراجع قدرة المواطن العادي على امتلاك وحدة سكنية بصورة واضحة.

 

بينما واصلت المجموعة تعزيز حضورها في السوق العقارية عبر مشروعات ضخمة شرق القاهرة وعدد من المدن الجديدة، فإن أسعار الوحدات السكنية داخل كثير من هذه المشروعات تجاوزت بالفعل قدرة الطبقة المتوسطة التي تضررت بشدة من موجات الغلاء الأخيرة.

 

إلى جانب ذلك شهد السوق العقاري المصري خلال الأعوام الماضية موجة ارتفاعات كبيرة في أسعار الأراضي ومواد البناء وتكاليف التنفيذ، ما انعكس بصورة مباشرة على أسعار البيع النهائية، ودفع كثيرًا من المواطنين إلى الخروج تدريجيًا من سوق التملك العقاري.

 

في المقابل تستفيد الشركات الكبرى من الطلب الاستثماري على العقارات باعتبارها وسيلة لحفظ القيمة في مواجهة التضخم وتراجع الجنيه، وهو ما ساهم في استمرار معدلات البيع المرتفعة رغم التباطؤ الاقتصادي الذي تعانيه قطاعات أخرى داخل السوق المصرية.

 

الضيافة والأنشطة الخدمية توسع مصادر الدخل

 

من ناحية أخرى لم يقتصر نمو أرباح المجموعة على قطاع العقارات فقط، إذ ارتفعت إيرادات الضيافة بنسبة 21% لتصل إلى 4.3 مليار جنيه، مدفوعة بزيادة نسب الإشغال الفندقي وارتفاع أسعار الغرف مع تحسن حركة السياحة الوافدة إلى مصر نسبيًا خلال الفترة الأخيرة.

 

كما سجلت الأنشطة المتكررة مثل التأجير التجاري والنوادي الرياضية نموًا بنسبة 26% لتصل إلى 2.7 مليار جنيه، ما يعكس توسع الشركة في تنويع مصادر دخلها وتقليل الاعتماد الكامل على مبيعات العقارات التقليدية فقط.

 

وفي هذا السياق أوضح الخبير الاقتصادي الدكتور وائل النحاس أن الشركات العقارية الكبرى أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على الأنشطة الخدمية والترفيهية لتحقيق تدفقات نقدية مستقرة، خاصة مع التغيرات المستمرة في السوق العقارية وتقلبات القوة الشرائية للمستهلكين.

 

وأشار وائل النحاس إلى أن توسع هذه الشركات في بناء مجتمعات مغلقة متكاملة الخدمات يعزز أرباحها على المدى الطويل، لكنه في الوقت نفسه يوسع الفجوة بين المدن الجديدة مرتفعة التكلفة والمناطق الشعبية التي تعاني من ضعف الخدمات الأساسية والبنية التحتية.

 

كذلك أدى نمو الأنشطة الفندقية والسياحية إلى تعزيز النتائج المالية للمجموعة، خصوصًا مع ارتفاع متوسط الإنفاق السياحي داخل بعض المشروعات المرتبطة بالقطاع العقاري والسياحي، وهو ما ساعد على زيادة الإيرادات المتكررة بصورة ملحوظة خلال الشهور الأخيرة.

 

وعلاوة على ذلك تستفيد شركات التطوير الكبرى من التسهيلات الاستثمارية والتوسع العمراني الذي تدعمه الدولة في عدد من المدن الجديدة، بينما تواجه قطاعات صناعية وإنتاجية أخرى تحديات تمويلية وتشغيلية متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الاقتراض والطاقة والاستيراد.

 

في حين يرى متابعون أن استمرار توجيه جزء كبير من السيولة والاستثمارات نحو العقارات يثير تساؤلات حول توازن أولويات الاقتصاد المصري، خاصة مع تراجع مساهمة قطاعات إنتاجية أخرى قادرة على خلق وظائف مستدامة وتعزيز القدرة التصديرية للاقتصاد.

 

طفرة “ذا سباين” تفتح أسئلة السكن والعدالة

 

في السياق ذاته كشفت المجموعة عن تحقيق مشروع “ذا سباين” شرق القاهرة مبيعات تجاوزت 30 مليار جنيه خلال أسابيع قليلة من إطلاقه، وهو ما وصفته الشركة بأنه أحد أكبر المشروعات العقارية في تاريخها من حيث الحجم والعوائد المتوقعة مستقبلاً.

 

كما تتوقع الشركة أن يحقق المشروع إيرادات ضخمة خلال سنوات التنفيذ المقبلة، إلى جانب توفير عوائد متكررة وفرص عمل مرتبطة بالأنشطة التجارية والخدمية التي ستنشأ داخل المشروع على المدى الطويل.

 

لكن الخبير الاقتصادي الدكتور محمد فؤاد يرى أن القفزات الكبيرة في مبيعات المشروعات العقارية الفاخرة تكشف في الوقت نفسه عن اختلال واضح في هيكل السوق السكنية داخل مصر، حيث تتجه الاستثمارات بقوة نحو الإسكان المرتفع التكلفة مقابل ضعف المعروض المناسب لمحدودي الدخل.

 

وأضاف محمد فؤاد أن اتساع الفجوة بين أسعار العقارات ومتوسط الدخول جعل امتلاك السكن بالنسبة لقطاعات واسعة من الشباب حلمًا بعيد المنال، خصوصًا مع ارتفاع أسعار التمويل العقاري وزيادة تكلفة مواد البناء والخدمات المرتبطة بالسكن.

 

وبالتزامن مع ذلك تتزايد الانتقادات الموجهة إلى السياسات الاقتصادية التي تعتمد بصورة كبيرة على القطاع العقاري كمحرك للنمو، بينما تستمر معدلات التضخم المرتفعة في تقليص القدرة الشرائية للمواطنين ورفع تكاليف المعيشة بصورة يومية.

 

ثم إن التوسع الضخم في بناء المجتمعات السكنية المغلقة والفاخرة لا ينعكس بصورة مباشرة على أزمة الإسكان التي تعانيها الطبقات الأقل دخلًا، خاصة مع اتساع الفجوة بين قيمة الوحدات المطروحة ومتوسط الأجور الفعلية داخل السوق المصرية.

 

وفي الوقت نفسه يواصل القطاع العقاري جذب شريحة واسعة من المستثمرين الباحثين عن حماية مدخراتهم من التضخم، ما يرفع مستويات الطلب الاستثماري على الوحدات ويؤدي إلى مزيد من الارتفاع في الأسعار داخل السوق العقارية خلال الفترات المقبلة.

 

كما يرى مراقبون أن استمرار هذا النمط من النمو الاقتصادي يثير أسئلة متزايدة حول العدالة الاجتماعية وتوزيع عوائد الاستثمار، خصوصًا مع تصاعد الضغوط المعيشية على ملايين المواطنين الذين يواجهون صعوبة متزايدة في الوصول إلى السكن والخدمات الأساسية.

 

وفي ظل هذه المعطيات تكشف القفزة الكبيرة في أرباح مجموعة طلعت مصطفى عن واقع اقتصادي متناقض داخل مصر، حيث تحقق الشركات العقارية الكبرى معدلات نمو قياسية مدفوعة بالمشروعات الضخمة والاستثمار العقاري، بينما تتسع في المقابل الفجوة بين أسعار السكن ودخول المواطنين بصورة تجعل حلم السكن الآمن أكثر صعوبة بالنسبة لقطاعات واسعة من المصريين.