أعلنت جهات مسؤولة داخل منظومة التموين في مصر تأجيل صرف منحة التموين الخاصة بشهر مايو 2026، بالتزامن مع استمرار عمليات مراجعة البيانات وتصفية المستحقات المتأخرة لشهري مارس وأبريل، ما أدى إلى تعطيل إدخال دفعات جديدة وتأجيل الصرف إلى يونيو المقبل، في وقت تعتمد فيه ملايين الأسر على الدعم الحكومي لتوفير احتياجاتها الغذائية الأساسية وسط موجة غلاء متصاعدة.
وكشف تأخر صرف الدعم التمويني حجم الارتباك داخل منظومة الحماية الاجتماعية، بعدما وجدت الأسر محدودة الدخل نفسها أمام تأجيل جديد يمس الغذاء المباشر، بينما تواصل الحكومة الحديث عن “الإصلاح” و”كفاءة الإنفاق” بالتوازي مع تقديم تسهيلات واسعة لقطاعات الاستثمار والأعمال، وهو ما عمّق حالة الغضب بين المواطنين الذين يواجهون تضخمًا مستمرًا دون أي زيادة حقيقية في الدخول أو ضمان لاستقرار الدعم.
مراجعات حكومية تربك منظومة التموين وتؤجل صرف المستحقات
أكد مسؤولون داخل منظومة التموين أن تأخر صرف منحة مايو يعود إلى مراجعات فنية وإدارية مرتبطة بتحديث بيانات المستفيدين، وحصر المبالغ التي جرى صرفها سابقًا لكل بطاقة تموينية، بهدف منع الازدواج والأخطاء وضبط عمليات الصرف خلال المرحلة الحالية.
وبحسب التصريحات الرسمية فإن النظام الإلكتروني المستخدم داخل وزارة التموين مخصص حاليًا لتصفية المتأخرات الخاصة بشهري مارس وأبريل، ما أدى فعليًا إلى وقف إدخال أي دفعات جديدة لحين انتهاء عمليات الجرد المالي والإداري المرتبطة بالمستحقات السابقة.
وفي هذا السياق قال الخبير الاقتصادي ممدوح الولي إن تعطيل صرف الدعم حتى لو جرى تقديمه باعتباره إجراءً تنظيميًا يعكس خللًا واضحًا في إدارة أولويات الإنفاق، لأن الفئات الفقيرة لا تملك رفاهية الانتظار أو تحمل تأجيل الغذاء الأساسي لأسباب بيروقراطية.
وأضاف الولي أن استمرار الأزمات الإدارية داخل منظومة التموين يكشف غياب التخطيط الحقيقي للتعامل مع الضغوط الاجتماعية الناتجة عن التضخم، خاصة بعدما أصبحت بطاقات الدعم تمثل المصدر الرئيسي لتأمين السلع الأساسية لملايين المواطنين الذين تآكلت دخولهم بصورة غير مسبوقة.
كما يرى الخبير الاقتصادي عبد الخالق فاروق أن الدولة تتعامل مع ملف الدعم باعتباره عبئًا ماليًا يجب تقليصه تدريجيًا، وليس التزامًا اجتماعيًا تجاه المواطنين، وهو ما يفسر تكرار أزمات الحذف والتأخير والمراجعات المفاجئة داخل المنظومة التموينية خلال السنوات الأخيرة.
وأوضح فاروق أن الحكومة توسعت في سياسات تقليص الدعم بالتزامن مع ارتفاع الأسعار بصورة قياسية، ما خلق فجوة ضخمة بين احتياجات المواطنين الفعلية وقيمة المساعدات المقدمة لهم، خاصة مع تراجع القوة الشرائية للأسر محدودة الدخل بصورة مستمرة منذ تعويم الجنيه في نوفمبر 2016.
وفي المقابل أثار تأجيل الصرف حالة واسعة من القلق بين المواطنين المستفيدين، بعدما وجد كثير من أصحاب البطاقات التموينية أنفسهم عاجزين عن شراء احتياجاتهم الأساسية، خصوصًا مع استمرار ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والخدمات بصورة متسارعة خلال الشهور الأخيرة.
الغلاء يضغط على الأسر الفقيرة والدعم خط الدفاع الأخير
ويعتمد ملايين المصريين على الدعم التمويني باعتباره الوسيلة الأساسية لتأمين السلع الغذائية، ومع أي تأخير في الصرف تتزايد الأعباء اليومية على الأسر التي تواجه أصلًا ضغوطًا معيشية غير مسبوقة نتيجة ارتفاع الأسعار وتراجع قيمة الأجور.
وفي هذا الإطار قالت الدكتورة عالية المهدي عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية السابقة إن الدعم النقدي والعيني لم يعد مجرد أداة اجتماعية بل تحول إلى ضرورة معيشية مباشرة، لأن نسبة كبيرة من الأسر أصبحت تعتمد على السلع المدعمة لتغطية الحد الأدنى من احتياجاتها الغذائية.
وأضافت عالية المهدي أن أي اضطراب في توقيت صرف الدعم ينعكس فورًا على الاستهلاك الغذائي للأسر الفقيرة، خاصة في ظل التضخم المستمر وارتفاع أسعار السلع الأساسية بصورة تفوق قدرة المواطنين على التكيف أو إعادة ترتيب أولويات الإنفاق الشهري.
كذلك أوضحت المهدي أن الأزمة الحالية تكشف تراجع قدرة الدولة على تحقيق التوازن بين الإصلاحات الاقتصادية ومتطلبات الحماية الاجتماعية، لأن القرارات المالية أصبحت تُتخذ غالبًا دون مراعاة التأثير المباشر على الفئات الأكثر هشاشة داخل المجتمع.
ومن ناحية أخرى يواجه المواطن البسيط زيادات متتالية في أسعار الغذاء والكهرباء والمياه والوقود، بينما تبقى قيمة الدعم ثابتة أو تتعرض للتأجيل والمراجعة، ما يدفع قطاعات واسعة من الأسر إلى تقليص استهلاكها الغذائي أو الاستدانة لتجاوز الأزمات الشهرية المتكررة.
وفي السياق ذاته يرى الباحث الاقتصادي محمد فؤاد أن اضطراب صرف الدعم يعكس أزمة أعمق مرتبطة بإدارة الموارد العامة، لأن الحكومة تركز بصورة أكبر على مؤشرات الاستثمار والنمو المالي بينما تتراجع أولوية الإنفاق الاجتماعي داخل الموازنة العامة.
وأشار فؤاد إلى أن التضخم الحالي جعل توقيت صرف الدعم عنصرًا حاسمًا في قدرة الأسر على البقاء، لأن كثيرًا من المواطنين باتوا يعتمدون على بطاقات التموين لتأمين الغذاء الأساسي حتى نهاية كل شهر، بعد تراجع القدرة الشرائية بصورة حادة.
سياسات الإنفاق تثير غضبًا واسعًا وسط تراجع الحماية الاجتماعية
فتح تأخير صرف الدعم التمويني باب التساؤلات مجددًا حول أولويات الحكومة الاقتصادية، خاصة مع استمرار تقديم حوافز استثمارية وإعفاءات ضريبية لقطاعات الأعمال، في الوقت الذي تواجه فيه برامج الحماية الاجتماعية ضغوطًا تنظيمية ومالية متزايدة.
ويرى مراقبون أن الفجوة بين دعم رأس المال الخاص وتعطيل صرف المساعدات التموينية للفقراء تعكس إعادة ترتيب واضحة لأولويات الإنفاق العام، حيث تتجه الدولة بصورة متسارعة نحو تشجيع الاستثمار حتى على حساب الاستقرار الاجتماعي للفئات الأكثر احتياجًا.
كما تؤكد الحكومة أن عمليات المراجعة الحالية تهدف إلى ضمان وصول الدعم لمستحقيه الفعليين ومنع أي تلاعب داخل المنظومة، ضمن ما تصفه بخطة إصلاح اقتصادي تستهدف رفع كفاءة الإنفاق العام وتقليل الهدر المالي داخل مؤسسات الدولة.
لكن منتقدين يرون أن هذه المبررات لم تعد تقنع المواطنين، خصوصًا مع تكرار تأجيل الصرف وتزايد الشكاوى من صعوبة الحصول على الدعم، بينما تتواصل الأعباء المعيشية بصورة يومية دون أي إجراءات حقيقية تخفف الضغط عن الأسر الفقيرة.
وفي هذا الإطار قال الحقوقي أسامة رشدي إن ربط الغذاء الأساسي للمواطنين بإجراءات بيروقراطية طويلة يعكس غياب الحس الاجتماعي داخل مؤسسات الدولة، لأن الفئات الفقيرة تتحمل وحدها تكلفة الأزمات الاقتصادية المتلاحقة دون حماية كافية.
وأضاف رشدي أن العدالة الاجتماعية لا تتحقق بالشعارات أو التصريحات الرسمية، بل بقدرة المواطن على الحصول على احتياجاته الأساسية دون إذلال أو تأخير، مشيرًا إلى أن استمرار تعطيل الدعم يوسع فجوة الثقة بين المواطنين والحكومة بصورة خطيرة.
وفي ظل هذه التطورات تتزايد المخاوف من تحول الدعم التمويني إلى ملف قابل للتقليص التدريجي تحت غطاء “إعادة الهيكلة” و”ضبط الاستحقاق”، خاصة مع تكرار الحديث الحكومي عن التحول نحو الدعم النقدي وتقليل أعباء الدعم العيني خلال السنوات المقبلة.
ويبدو أن أزمة تأخير منحة مايو لم تعد مجرد مسألة إدارية مرتبطة بالمراجعات الفنية، بل تحولت إلى مؤشر جديد على اتساع الضغوط الاجتماعية داخل مصر، بعدما أصبح ملايين المواطنين ينتظرون موعد صرف الدعم باعتباره الفاصل بين القدرة على شراء الطعام أو السقوط الكامل تحت وطأة الغلاء المتصاعد.

