سامح راشد

باحث مصري متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الإقليمية للشرق الأوسط

 

ثمّة مقولة منسوبة إلى ألبرت أينشتاين، أنّ "الغباء فعل الشيء نفسه مرَّتَين بالأسلوب نفسه وبالخطوات نفسها، وانتظار نتائج مختلفة". وقد أثبتت تلك العبارة صحّتها في حالات كثيرة في "العالم الثالث"، لكنّها نادرة عمومًا في نطاق الدول المتقدّمة والشعوب المتحضّرة. ومن تلك الحالات النادرة حالة الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب، فمن الواضح تمامًا أنّه لا يلتفت إلى التاريخ، ولا يتعلّم حتى من أخطائه الذاتية. فما يقوم به منذ دخوله البيت الأبيض للمرّة الثانية، ليس سوى سلسلة أخطاء يُعاد إنتاجها مرارًا من دون تغيير. والأدهى أنّ أخطاءه ظاهرة للعالم أجمع بمَن فيهم نسبة معتبرة من الأميركيين.

 

يجمع ترامب في إدارته للأزمة مع إيران بين الخداع والقوّة المتوهَّمة والبروباغاندا الإعلامية. بيد أنّ هذه الأدوات لا تعبّر عن خطط مدروسة مسبقًا، ولا عن تصوّر واضح للهدف النهائي، فضلًا عن غياب الخطط البديلة. فقد عجز ترامب عن تنفيذ أحدث خططه لفتح مضيق هرمز، "مشروع الحرية"، بسبب رفض السعودية استخدام أجوائها والقواعد الأميركية لديها، ولم تكشف إدارة ترامب أيّ خطة بديلة أو تحرّك آخر لتحقيق الغرض ذاته.

 

على مستوى الخطاب، يُصرّ دونالد ترامب على ادّعاء انتصارات عسكرية وتكبيد إيران خسائر ضخمة، ومن ذلك تأكيده غير مرّة القضاء على البحرية الإيرانية كاملةً، رغم أنّ الزوارق والألغام الإيرانية في مياه الخليج تكذّب هذا الادعاء. وكرّر ترامب مرّات عدّة أنّ إيران "تتوسّل" اتفاقًا لإنهاء الحرب، ولم يخجل من تكراره حتّى بعد أن رفضت طهران إرسال مفاوضيها إلى باكستان، فعاد الوفد الأميركي الذي كان ينتظر الإيرانيين هناك بخُفَّي حنين.

 

تنحصر الخيارات المقبولة عند ترامب في إبرام اتفاق يحقّق مطالب أميركية مبالغًا فيها في ظلّ صمود طهران، وإحراجها واشنطن عسكريًا بوضوح... أو استئناف القصف رغم أنّ جدواه الميدانية تتراجع تدريجيًا. ولا يرى ترامب أنّ الخيارَين كليهما لا يقبلان التحقيق بالصيغة التي يتمنّاها دونالد ترامب. ومن المثير للتساؤل أنّ ترامب لا يزال يتبنّى خطاب المنتصر في الحرب، فيما يتمنّى قبول إيران ولو بجزء من مطالبه التفاوضية، حفظًا لماء وجهه، وللحدّ من تدنّي شعبيته في الداخل الأميركي الذي يستعدّ لانتخابات التجديد النصفي في الكونغرس. وكلّما لقي صدًا تفاوضيًا من إيران، يلجأ إلى عمليات عسكرية محدودة علّها تكسر إرادة الإيرانيين، أو يستخدمها إعلاميًا لادّعاء مزيد من الانتصارات العسكرية.

 

حتى في تعامله مع الأطراف الأخرى المعنية بالأزمة الحالية، سواء الأوروبيين أو دول الخليج أو غيرها من دول العالم؛ يُعيد دونالد ترامب إنتاج أخطائه من دون تغيير. فعلى الرغم من رفض أوروبا المشاركة في الحرب، عاد وطالب حلف شمال الأطلسي (ناتو) بالمساهمة في فتح مضيق هرمز، ثم وجّه الطلب ذاته إلى الدول المستفيدة من النفط المُصدَّر عبر المضيق، بما فيها الصين الخصم الرئيس لواشنطن عالميًا. وفي كلّ مرّة يقول إنّ أيّ طرف أو دولة ستستفيد من فتح المضيق أو كسر شوكة إيران في الحرب، ملزمة بالمساهمة أو بلعب دور ما.

 

جدير بالانتباه في هذه السلسلة من الأخطاء المتكرّرة ليس منطقها التجاري فحسب، ولا حتى تكرارها بأشكال متعدّدة؛ وإنّما توَهّم دونالد ترامب أنّ بإمكانه إنهاء الحرب لصالحه وانتزاع مطالبه التي اضطر إلى خفض سقفها أكثر من مرّة، استنادًا إلى المنطق نفسه وباستخدام الأدوات نفسها بالأسلوب الذي ثبت يقينًا فشله. والخطير في هذا الوضع، أنّ ترامب لن يعترف أبدًا بأخطائه، ولا بخسائره المترتبة عليها (بالطبع). وسيمضي في استنساخ فشله، منطقًا ونتائجًا، إلى أن ينال خروجًا مهينًا من البيت الأبيض.