حذرت شعبة الاتصالات باتحاد الغرف التجارية ونواب بالبرلمان في مصر من تداعيات رفع أسعار خدمات الاتصالات والإنترنت بنسبة تتراوح بين 9% و15%، بعدما أثار القرار موجة غضب واسعة بسبب تحميل المواطنين كلفة أعلى في سوق يعاني من شكاوى متكررة بشأن ضعف الشبكات وتذبذب جودة الخدمة.

 

هاجم ممثلون عن قطاع الاتصالات ونواب القرار باعتباره زيادة غير مبررة في توقيت اقتصادي واجتماعي ضاغط، بينما دافعت الحكومة عن الرفع بحجة ارتفاع تكاليف التشغيل والطاقة وسلاسل الإمداد، لتظهر الأزمة كصدام مباشر بين خطاب رسمي يتحدث عن التطوير وواقع مواطن يدفع أكثر قبل أن يرى خدمة أفضل.

 

 

شعبة الاتصالات تكسر رواية الزيادة وتضع الجودة أولا

 

قال محمد هداية رئيس شعبة الاتصالات باتحاد الغرف التجارية إن السوق فوجئ بقرار رفع أسعار خدمات الاتصالات والإنترنت، وأكد أن شركات الاتصالات كان يجب أن تبدأ بتحسين جودة الخدمة قبل طلب زيادة جديدة من المستخدمين، لأن المواطن يدفع مقابل اتصال فعلي لا مقابل وعود مؤجلة بالتطوير.

 

وجاءت تصريحات هداية في وقت تعتمد فيه الأسر على الإنترنت بصورة يومية في الدراسة والعمل والخدمات الحكومية، وهو ما جعل الزيادة تمس الاحتياجات الأساسية لا الترفيه فقط، خصوصا خلال فترة الامتحانات التي يحتاج فيها الطلاب إلى اتصال ثابت للمراجعة والتواصل مع المدرسين والمنصات التعليمية.

 

كما انتقد رئيس شعبة الاتصالات إنفاق الشركات على الإعلانات والدعاية، واعتبر أن توجيه جزء من هذه الأموال إلى تحسين الشبكات كان أولى من الضغط على جيوب المستخدمين، لأن الإعلان لا يعالج انقطاع المكالمات ولا يرفع سرعة الإنترنت ولا ينهي شكاوى العملاء المتكررة.

 

في السياق نفسه، أشار هداية إلى أن توسع الشحن الإلكتروني والتطبيقات خفض جزءا من تكاليف التشغيل المرتبطة بطباعة كروت الشحن وتوزيعها، ولذلك كان المنتظر أن تنعكس هذه الوفورات على السعر أو الجودة، لكن القرار جاء معاكسا وحمل المستهلك عبئا إضافيا.

 

لذلك بدت شهادة شعبة الاتصالات كضربة مباشرة لمبررات الشركات، لأنها جاءت من داخل السوق لا من خارجه، ووضعت السؤال الأساسي أمام الحكومة والجهاز المنظم: كيف يسمح المسؤولون بزيادة السعر بينما تبقى الخدمة محل شكوى يومية عند ملايين المستخدمين.

 

 

هجوم برلماني يطالب بالمراجعة والحكومة تتمسك بتكاليف التشغيل

 

تصاعد الهجوم البرلماني على قرار رفع أسعار الاتصالات والإنترنت في مصر، بعدما اعتبر نواب أن الزيادة الجديدة تضيف عبئا مباشرا على الأسر والطلاب وأصحاب الأعمال الصغيرة في توقيت اقتصادي ضاغط، وطالبوا بمراجعة القرارات وربط أي تعديل في الأسعار بتحسن فعلي في جودة الخدمة وتعويض واضح للمستخدمين عند الانقطاع أو ضعف الشبكات.

 

في المقابل، تمسكت الحكومة بتبرير الزيادات باعتبارها نتيجة لارتفاع تكاليف التشغيل والطاقة وسلاسل الإمداد وتحديث البنية التحتية، لكن هذا التفسير لم ينه الغضب العام، لأن المواطن يدفع فاتورة أعلى بينما يرى خدمة لا تتحسن بالقدر نفسه، فتتحول الزيادة إلى قرار جبائي جديد لا إلى إصلاح حقيقي في قطاع الاتصالات.

 

ومن زاوية اقتصادية، يرى الخبير الاقتصادي وائل النحاس أن رفع أسعار الاتصالات يأتي داخل موجة غلاء أوسع تطارد المواطنين في السلع والخدمات، ويؤكد أن أي حديث عن زيادة التكلفة يجب أن يقابله كشف واضح عن أرباح الشركات ومستوى الخدمة وحجم الإنفاق الدعائي قبل مد اليد إلى جيب المستهلك.

 

بالتالي يربط موقف النحاس بين التسعير والشفافية، لأن الحكومة لا تستطيع مطالبة المواطن بدفع الزيادة ثم ترك الشركات بلا مساءلة علنية حول جودة الشبكات ومعدلات الشكاوى وأسباب ضعف الإنترنت، خصوصا أن قطاع الاتصالات يحقق إيرادات من الباقات والمحافظ الإلكترونية والخدمات الرقمية لا من كروت الشحن فقط.

 

ثم يبرز البعد السياسي في الأزمة عندما تتحول الرقابة البرلمانية إلى اختبار جدي لقدرة النواب على وقف قرارات تمس ملايين المستخدمين، لأن الاكتفاء بتسجيل الغضب دون مراجعة فعلية للزيادة يمنح الحكومة والشركات ضوءا أخضر لتمرير أي قرار جديد باسم التكلفة والتطوير.

 

المواطن يدفع ثمن التحول الرقمي قبل أن يحصل على خدمة عادلة

 

أعلن الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات إتاحة باقة إنترنت أرضي بسعر 150 جنيها بدلا من أقل باقة حالية عند 210 جنيهات، وإتاحة باقة محمول بسعر 5 جنيهات بدلا من أقل باقة حالية عند 13 جنيها، لكن هذه الباقات لا تغير جوهر الزيادة التي طالت خدمات أخرى بنسبة 9% إلى 15%.

 

غير أن الباقات الأرخص تبدو محدودة الأثر أمام احتياجات البيوت الفعلية، لأن أسرة تضم طلابا وموظفا ومستخدمين للخدمات الحكومية لا تستطيع الاعتماد على باقة رمزية، ولذلك يبقى العبء الحقيقي في الباقات الأكبر التي تمس الاستهلاك اليومي وتضغط على ميزانية البيت بصورة متكررة.

 

ويرى الخبير الاقتصادي مدحت نافع أن زيادة أسعار الإنترنت والاتصالات لا تبقى داخل فاتورة المستخدم، بل تنتقل إلى تكاليف الإنتاج والتسويق والتحصيل والخدمات، لأن المتاجر الصغيرة والشركات والمصانع تعتمد على الاتصال في إدارة الطلبات والمدفوعات والتواصل مع العملاء.

 

لهذا تصبح الزيادة بابا جديدا للتضخم غير المباشر، إذ سيدفع صاحب العمل كلفة أعلى لإدارة نشاطه ثم ينقل جزءا منها إلى سعر السلعة أو الخدمة، فيعود المواطن ليدفع الزيادة مرتين، مرة في فاتورة الإنترنت ومرة في أسعار المنتجات التي ترتفع بسبب تكلفة التشغيل.

 

كذلك يحذر الخبير الاقتصادي  د. محمد فؤاد في قراءاته المتكررة لسياسات التسعير الحكومية من تحميل المواطنين كلفة اختلالات الإدارة العامة والخصخصة المقنعة، وهو موقف ينسجم مع أزمة الاتصالات الحالية، حيث تترك الدولة الشركات تمرر أعباءها للمستخدمين دون رقابة كافية على الأرباح والجودة.

 

وعلى مستوى الحياة اليومية، يكشف القرار تناقضا صارخا في خطاب الحكومة عن التحول الرقمي، لأنها تلزم المواطنين باستخدام المنصات والتطبيقات والخدمات الإلكترونية، ثم تسمح برفع تكلفة الوصول إلى هذه الخدمات، وكأن الدولة تطلب من الفقراء دخول البوابة الرقمية وهي ترفع ثمن المفتاح.

 

 

في النهاية، لا تبدو زيادة أسعار الاتصالات والإنترنت قرارا فنيا محدودا، بل تكشف طريقة حكم كاملة تقوم على تحميل المواطن ثمن كل أزمة، بينما تبقى الشركات محمية بالقرارات الرسمية وتبقى الجودة خارج المحاسبة، ولذلك فضحت شعبة الاتصالات والبرلمان جوهر المعادلة: سعر أعلى وخدمة سيئة ومواطن يدفع فاتورة التحول الرقمي.