كشفت ملاحظات الجهاز المركزي للمحاسبات، في مايو 2026، عن مديونيات غير محصلة داخل الشركة العامة للصوامع والتخزين بلغت 143.6 مليون جنيه، إلى جانب 72.1 مليون جنيه أخرى، وخسائر تشغيلية وصلت إلى 95.8 مليون جنيه، وتأمينات مستحقة بقيمة 64.6 مليون جنيه بقيت خارج الاسترداد، فانتقلت القضية من بند محاسبي إلى اتهام مباشر لمنظومة إدارة المال العام.

 

وتضع هذه الأرقام قطاع الصوامع أمام سؤال سياسي ومعيشي لا يخص دفاتر شركة واحدة، لأن الحكومة التي ترفع كلفة الخبز والسلع على المواطنين تترك أموالًا عامة معلقة داخل قطاع مسؤول عن تخزين القمح، بينما يدفع الناس ثمن العجز والديون والرقابة الغائبة من دخلهم اليومي.

 

مديونيات معلقة تكشف خلل إدارة المال العام

 

تبدأ الأزمة من رقم لا يحتمل التخفيف، إذ بقيت 143.6 مليون جنيه في صورة مديونيات ومطالبات مالية دون تحصيل، ثم ظهرت 72.1 مليون جنيه أخرى في الملف نفسه، ما يعني أن الشركة لم تواجه تعثرًا عابرًا بل تعاملت مع المال العام كرصيد مؤجل بلا صاحب واضح.

 

وفي هذا السياق، يخدم رأي الخبير الاقتصادي عبد الخالق فاروق محور الفساد الإداري، لأنه ربط في كتاباته وظهوره العام بين غياب الرقابة الفعلية وبين توسع إهدار الموارد العامة، وتظهر هذه القضية نموذجًا واضحًا لفكرته، حيث تبدأ الخسارة من تأجيل التحصيل ثم تتحول إلى عبء على الدولة والمواطن.

 

وبذلك لا يصبح السؤال الحقيقي عن وجود طلب إحاطة أو وعد بالرد، بل عن سبب ترك هذه المديونيات تتراكم أصلًا داخل شركة تدير أصولًا مرتبطة بالغذاء، لأن الإدارة التي لا تحصل حقوقها في موعدها تفتح بابًا لتجميد الأموال وتطبيع الإهمال وتبرير الفشل لاحقًا.

 

ثم يكشف رقم الخسائر التشغيلية البالغ 95.8 مليون جنيه أن المشكلة تجاوزت التحصيل إلى طريقة التشغيل نفسها، فالشركة التي يفترض أن تدير التخزين بكفاءة أظهرت فجوة بين حجم القطاع وحالة الانضباط المالي، وهذه الفجوة تحتاج محاسبة لا بيانات حكومية مكررة.

 

تأمينات غير مستردة وخسائر تشغيلية بلا محاسبة

 

في جانب آخر، يفضح ملف التأمينات المستحقة بقيمة 64.6 مليون جنيه مستوى الإهمال الإداري، لأن هذه الأموال انتهى الغرض منها منذ سنوات وفق الوقائع المطروحة، ومع ذلك لم تتحرك الشركة بجدية لاستردادها، ما يحول الحق المالي إلى مال راكد خارج الخزانة العامة.

 

ولهذا يصبح رأي ممدوح الولي، الخبير الاقتصادي ونقيب الصحفيين الأسبق، مهمًا داخل هذا المحور، لأنه حذر مرارًا من هشاشة إدارة الموارد في ظل أزمة اقتصادية وضغط ديون، وتؤكد قضية الصوامع أن الدولة لا تواجه نقص موارد فقط، بل تواجه إدارة تفرط في موارد موجودة أصلًا.

 

وبعد ذلك يظهر أثر الخسائر التشغيلية في صورة أوسع، فكل جنيه لا تسترده الشركة أو تخسره في تشغيل مرتبك يعني ضغطًا إضافيًا على قطاع عام مثقل، ويمنح الحكومة ذريعة جديدة لتحميل المواطنين كلفة الفشل بدل ملاحقة من عطل التحصيل أو أهمل المتابعة.

 

كما أن استمرار التأمينات دون استرداد لا يمكن وصفه بخطأ دفتري، لأن الأموال العامة لا تسقط من الذاكرة بمجرد انتهاء الغرض منها، بل تحتاج مسارًا قانونيًا وإداريًا واضحًا، ومن دون هذا المسار يصبح الصمت الإداري شريكًا في إهدار المال.

 

خلل الصوامع يضرب الأمن الغذائي قبل دفاتر الشركة

 

يرتبط ملف الشركة العامة للصوامع والتخزين مباشرة بمنظومة القمح، ولذلك لا تقف القضية عند خسارة داخلية أو مطالبة مالية معلقة، لأن أي ضعف في الإدارة المالية داخل قطاع التخزين ينعكس على قدرة الدولة على حماية المخزون وضبط كلفة تداول السلع الأساسية.

 

ومن هنا تأتي وظيفة رأي عبد التواب بركات، مستشار وزير التموين الأسبق، لأنه تحدث سابقًا عن حساسية ملف الصوامع والقمح وارتباطه بالاكتفاء والمخزون، وتخدم خبرته هذا المحور تحديدًا، حيث يشرح أن التخزين ليس نشاطًا إداريًا عاديًا بل حلقة أساسية في أمن الخبز.

 

لذلك تكشف الواقعة تناقضًا صارخًا في خطاب الحكومة، فهي تطالب المواطنين بتقبل إجراءات تقشف وغلاء متكرر، بينما تترك مديونيات وتأمينات وخسائر داخل قطاع حساس دون ردع معلن، وهذا التناقض يجعل أزمة الصوامع دليلًا على خلل حكم لا مجرد خلل شركة.

 

وعلى هذا الأساس، يجب أن يبدأ مسار المحاسبة من كشف الجهات المدينة وأسباب تعطيل التحصيل وتحديد المسؤولين عن ترك التأمينات، لأن أي حديث عن تطوير الصوامع أو حماية القمح يفقد معناه عندما تفشل الإدارة في استرداد أموال مثبتة داخل تقارير رقابية.

 

في النهاية، لا تحتاج قضية الصوامع إلى تهدئة لغوية أو وعود حكومية جديدة، بل تحتاج نشرًا كاملًا للوقائع ومحاسبة معلنة لمن أهمل التحصيل وترك الخسائر تتراكم، لأن المال العام في قطاع القمح ليس رقمًا في ميزانية شركة، بل جزء من رغيف المواطن ومن أمنه الغذائي.