كشفت الجلسة العامة لمجلس النواب، برئاسة المستشار هشام بدوي، عن تمرير الحساب الختامي للموازنة العامة للدولة عن العام المالي 2024/2025، رغم اعتراضات نيابية حادة ربطت بين الدين العام الذي قيل إنه بلغ 17 تريليون جنيه، وخسائر رصدها الجهاز المركزي للمحاسبات بنحو 43.5 مليار جنيه.
أظهرت المناقشات أن الحكومة تعاملت مع الحساب الختامي باعتباره إجراءً قابلًا للتمرير بالأغلبية، بينما تعامل معه نواب معارضون بوصفه وثيقة اتهام لإدارة المال العام، لأن أرقام الدين والضمانات وعمولات القروض وتراجع الإنفاق الاجتماعي وصلت إلى المواطن في صورة خدمات أضعف وعبء معيشة أثقل.
الدين العام يفضح خطاب الخفض الحكومي
بدأت موجة الاعتراض من النائب إيهاب منصور، وكيل لجنة القوى العاملة، الذي أعلن رفضه للحساب الختامي وسأل داخل الجلسة عن تكرار نفس الكوارث منذ سنوات، لأن الحكومة تقدم أرقامًا غير مكتملة، والجهاز المركزي للمحاسبات يراجع حسابات ناقصة، ثم يطلب البرلمان من المواطنين تصديق رواية رسمية لا تسندها شفافية كافية.
وفي هذا السياق، ركز منصور على ملف القروض الأجنبية وعمولات الارتباط، لأن الإنفاق في هذا الباب لم يعد تفصيلًا محاسبيًا داخل جداول جامدة، بل أصبح بابًا يستدعي التحقيق، خاصة مع الإشارة إلى خسائر تقدر بنحو 800 مليون جنيه، وسط ارتفاع متواصل في الدين الداخلي والخارجي بنسب كبيرة.
ثم جاءت مداخلة النائب عبدالمنعم إمام لتسحب الغطاء عن خطاب الحكومة بشأن خفض الدين، إذ قال إن الحكومة تعلن خفض الدين بينما الأرقام تقول العكس، موضحًا أن الدين وصل إلى 17 تريليون جنيه بنسبة 100 من الناتج المحلي الإجمالي، بما يعني أن ما ينتجه الاقتصاد يساوي تقريبًا حجم المديونية القائمة.
وبالتوازي، أوضح إمام أن الحكومة تحتفي بخفض الدين الخارجي لأجهزة الموازنة بنسبة 4، بينما ارتفع دين الهيئات الاقتصادية خارج أجهزة الموازنة بنسبة 20، وهو ما يكشف نقل العبء من بند إلى آخر، لا خفضًا حقيقيًا، ولا إصلاحًا ماليًا يشعر به المواطن أو يخفف ضغط الاقتراض.
وتدعم الباحثة الاقتصادية سلمى حسين هذا المحور من زاوية اجتماعية واضحة، لأنها ترى في كتاباتها أن خدمة الدين تزاحم الإنفاق على الصحة والتعليم والخدمات العامة، وهذا المعنى يجعل اعتراض النواب على الدين أكثر من خلاف رقمي، لأنه يكشف سياسة مالية تقدم الدائن قبل المستشفى والمدرسة والمرفق العام.
فجوات العدالة والشفافية تكشف موازنة ضد المواطن
انتقلت النائبة أسماء نشأت حجازي إلى نقطة أكثر مباشرة حين أعلنت رفضها للحساب الختامي، مؤكدة أنه لا يعكس الواقع الحقيقي، لأن فجوات العدالة وتوزيع الاستثمارات وضعف كفاءة التنفيذ وغياب مؤشرات الأداء وتراجع البعد الاجتماعي في الإنفاق العام، كلها تجعل الحساب وثيقة ناقصة لا تقدم للمواطن حقه في المعرفة والمحاسبة.
وعلى الخط نفسه، أعلن النائب أحمد بلال البرلسي رفضه للحساب الختامي، وركز على غياب الشفافية في بعض بنود الإنفاق، وسأل عن مصير مخصصات التغذية المدرسية، بما يحول ملفًا يبدو صغيرًا في الموازنة إلى اختبار مباشر لقدرة الدولة على حماية أطفال المدارس بدل ترك البنود الاجتماعية تحت الغموض.
ومن زاوية أوسع، يوضح الباحث الاقتصادي عمرو عادلي في أعماله عن الدين العام والاقتصاد السياسي أن أزمة المديونية لا تنفصل عن نموذج إدارة الاقتصاد وتوزيع الموارد، ولذلك تخدم مداخلته التحريرية هنا محور الشفافية، لأن المشكلة لا تقف عند رقم الدين، بل تمتد إلى من يقرر الإنفاق ومن يدفع التكلفة.
في المقابل، لم تقدم الأغلبية البرلمانية إجابة كافية على أسئلة العدالة، إذ أعلن النائب أحمد عبد الجواد، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب مستقبل وطن، موافقة الحزب على الحساب الختامي، واعتبره دليلًا على صلابة الدولة في مواجهة التحديات الاقتصادية والإقليمية، رغم أن الاعتراضات كانت تتحدث عن أرقام خسائر وديون لا عن شعارات عامة.
وبعد ذلك، حاولت موافقة بعض الأحزاب والهيئات البرلمانية الأخرى تغليف القرار بعبارات الإصلاح المالي والهيكلي، لكن هذا الغلاف لم يلغ حقيقة أن تمرير الحساب جرى رغم مطالب واضحة بضبط الإنفاق، وتحسين إدارة الدين، ومعالجة اختلالات البيانات الحكومية، وهي مطالب تؤكد أن الخلل موجود حتى في تقرير اللجنة نفسه.
خسائر الجهاز المركزي تكسر رواية الصلابة
كشف المستشار محمد فيصل، رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، أن الجهاز سجل ملاحظات مهمة على الحساب الختامي للموازنة العامة للدولة عن السنة المالية 2024/2025، وهذه الملاحظات لم تكن هامشية، لأنها تضمنت عدم الاستفادة من بعض وحدات الإسكان الاجتماعي بسبب معوقات حالت دون استخدامها بالشكل الأمثل.
وبناء على هذه الملاحظات، أشار رئيس الجهاز إلى أن العوامل المجتمعة رتبت على الموازنة العامة خسائر تقدر بنحو 43.5 مليار جنيه، وهو رقم يضع الحكومة أمام سؤال مباشر عن كفاءة إدارة الموارد، لأن الدولة لا تستطيع مطالبة المواطن بتحمل زيادات الأسعار والرسوم بينما تهدر مليارات في أصول معطلة ومشروعات غير مستغلة.
ومن هذه النقطة، يخدم الكاتب الاقتصادي وائل جمال المحور الثالث بوضوح، لأنه يربط عدالة الموازنة بقدرتها على حماية الصحة والتعليم والحياة اليومية من أولوية الدائنين، لا بحجم الإنفاق الكلي فقط، وهذا الربط يجعل خسائر 43.5 مليار جنيه جزءًا من فشل ترتيب الأولويات لا مجرد ملاحظة رقابية عابرة.
كما أن حديث الجهاز المركزي للمحاسبات عن بيانات حكومية وملاحظات رقابية يلتقي مع انتقاد إيهاب منصور للجهاز والحكومة معًا، فالجهاز يبذل جهدًا في مراجعة بيانات غير مكتملة، والحكومة تستفيد من ضبابية الأرقام، والبرلمان يمرر الحساب في النهاية رغم أن الرقابة كانت تفتح باب المساءلة لا باب التصديق.
وفي ختام الجلسة، وافق مجلس النواب نهائيًا على الحساب الختامي بعد عرض تقرير لجنة الخطة والموازنة، الذي تضمن توصيات بضبط الإنفاق العام وتحسين إدارة الدين ومعالجة اختلالات البيانات الحكومية، لكن الموافقة النهائية جعلت التوصيات أقرب إلى اعتراف مكتوب بالمشكلة بعد تمريرها لا إلى آلية حقيقية لمحاسبة المسؤولين عنها.
لذلك خرج الحساب الختامي للموازنة العامة عن 2024/2025 كوثيقة سياسية واقتصادية ثقيلة، لا كإجراء محاسبي عادي، لأن البرلمان مرر حسابًا تتزاحم داخله ديون بقيمة 17 تريليون جنيه، وخسائر بنحو 43.5 مليار جنيه، وأسئلة عن التغذية المدرسية والإسكان الاجتماعي وعمولات القروض، بينما بقي المواطن هو الطرف الذي يدفع الثمن ولا يحصل على الحساب الكامل.

