أكدت تصريحات المهندس جورج سدرة، رئيس شعبة الأجهزة الكهربائية بالغرفة التجارية بالجيزة، في مايو 2026، أن سوق الأجهزة الكهربائية دخل موجة ارتباك جديدة بسبب اندفاع المستهلكين نحو الشراء وقت الأزمات، وهو اندفاع تستخدمه بعض الشركات لرفع الأسعار بنسب قد تتجاوز 10 بالمئة، فتتحول الحاجة المنزلية إلى فاتورة مضاعفة على المواطن.
وفي ظل هذا الارتباك، لم تعد الأزمة مرتبطة بسعر جهاز أو خصم مؤقت، لأن السوق يعكس خللا أوسع في الرقابة وسلاسل الإمداد وسعر الصرف، بينما يدفع المواطن ثمن قرارات متتابعة جعلت الشراء العادي معركة يومية بين الخوف من الزيادة والعجز عن الدفع.
اندفاع الشراء يفتح الباب لزيادات غير منضبطة
أوضح جورج سدرة أن الطلب المفاجئ خلال الأزمات يربك ميزان العرض والطلب، لأن بعض المستهلكين يشترون أكثر من احتياجهم خوفا من ارتفاع قادم، فتستغل بعض الشركات هذا السلوك وترفع الأسعار، ثم يجد المستهلك نفسه أمام موجة جديدة صنعتها الفوضى أكثر مما صنعتها التكلفة الحقيقية.
ولفت سدرة إلى أن الزيادة غير الرسمية في أسعار الأجهزة تعكس ضعف الانضباط داخل السوق، رغم وجود صناعة محلية قادرة على تخفيف الضغط، غير أن غياب الرقابة الصارمة يترك مساحة واسعة للمغالاة، ويجعل السعر النهائي رهينة للتاجر والشركة والموزع بدل أن يخضع لقواعد معلنة.
كما يرى سدرة أن ترشيد الشراء ليس دعوة لتحميل المواطن وحده مسؤولية الأزمة، بل محاولة لوقف اندفاع جماعي يضاعف الخلل، لأن الشركات لا تتحرك في فراغ، والسوق الذي يرى طلبا متزايدا وقت الذعر يرفع السعر بسرعة، ثم يحتفظ بالزيادة حتى بعد تراجع الطلب.
الدولار والشحن يحولان الإنتاج المحلي إلى تكلفة مستوردة
فيما أكد أشرف هلال، رئيس شعبة الأجهزة الكهربائية بالغرفة التجارية في القاهرة، أن القطاع أصبح ضحية مباشرة للتوترات السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط، لأن اضطراب الملاحة يرفع أجرة الشحن البحري والتأمين على الشحنات، ثم تنتقل الزيادة إلى المصنع والتاجر والمستهلك في سلسلة واحدة.
ويؤكد هلال أن اعتماد قطاع الأجهزة الكهربائية على استيراد نحو 60 بالمئة من مستلزمات الإنتاج يجعل الصناعة المحلية مكشوفة أمام أي هزة خارجية، فالمصنع قد ينتج داخل مصر، لكنه يشتري مكونات أساسية من الخارج، ولذلك لا يستطيع عزل السعر النهائي عن الدولار والشحن والتأمين والطاقة.
وفي موازاة الضغط الخارجي، أشار هلال إلى أن تحرك الدولار من مستويات تقارب 46 جنيها إلى حدود 55 جنيها، مع ارتفاع أسعار المحروقات، رفع تكلفة النقل البري والتخزين والتوزيع، وبذلك تحولت كل مرحلة من مراحل تداول الجهاز إلى عبء إضافي على السعر النهائي.
ضعف القوة الشرائية يكشف نتيجة الأزمة
ويبين الخبير الاقتصادي محمد عبد الهادي أن ضغط سعر الصرف لا يتوقف عند المستوردين، لأنه ينتقل إلى التضخم ويضغط على قدرة الأسر الشرائية، ومع خروج جزء من الأموال الساخنة في 2026 زاد الضغط على العملة، فوجد المواطن نفسه أمام سوق يرفع الأسعار بينما دخله لا يتحرك بالسرعة نفسها.
وفي ظل هذا المشهد، لم يعد التاجر رابحا بالضرورة من ارتفاع السعر، لأن ضعف القوة الشرائية يبطئ المبيعات ويجمد رأس المال داخل المخازن، ثم يتضرر المصنع من تراجع دورة البيع، وتتسع الفجوة بين تكلفة الإنتاج وقدرة المستهلك على الشراء، فتتحول الزيادة إلى أزمة للجميع.
وأكدت هذه التطورات أن الحديث عن الصناعة المحلية لا يكفي وحده لحماية السوق، لأن الصناعة التي تعتمد على مستلزمات مستوردة تحتاج سياسة واضحة لتأمين المكونات وخفض تكلفة التمويل والنقل، لا مجرد نصائح للمستهلك بالصبر، بينما تواصل الأسعار الصعود تحت ضغط الدولار والطاقة والشحن.
واخيرا تكشف أزمة الأجهزة الكهربائية فشل ترك السوق للذعر والاحتكار والتكلفة المستوردة في وقت واحد، لأن المواطن لا يدفع ثمن جهاز فقط، بل يدفع فاتورة غياب رقابة حقيقية وسياسات اقتصادية جعلت كل أزمة خارجية تتحول بسرعة إلى زيادة داخل كل بيت مصري.

