كشفت بيانات موازنة مصر للعام المالي 2026/2027 قفزة كلفة تشغيل الحي الحكومي بالعاصمة الإدارية إلى 12.03 مليار جنيه بزيادة 177% عن العام الجاري في القاهرة الجديدة بينما يتجاوز عجز الموازنة تريليون جنيه وتلتهم أقساط وفوائد الديون 5.227 تريليون جنيه من موارد الدولة.

 

تضع هذه القفزة مشروع العاصمة الإدارية في قلب سؤال سياسي مباشر عن أولوية الإنفاق العام لأن الحكومة التي تطالب المصريين بتحمل الضرائب والأسعار تخفض مساحة الخدمات أمامهم بينما تفتح بندا جديدا لانتفاع الوزارات بمبان كان يفترض أنها جزء من جهاز الدولة لا فاتورة إضافية عليه.

 

إيجارات مستحدثة تنقل الدولة من مالك إلى مستأجر

 

بداية تكشف الموازنة الجديدة عن تخصيص 7 مليارات جنيه مقابل حق انتفاع الوزارات والهيئات بمباني الحي الحكومي بعدما كان هذا البند صفرا في موازنة 2025/2026 وهو انتقال مالي لا يخص بندا إداريا عاديا بل يحول انتقال الحكومة إلى العاصمة الجديدة إلى التزام سنوي ثقيل على الخزانة العامة.

 

ثم يطرح هذا البند سؤال الملكية قبل سؤال الكلفة لأن الدولة كانت تملك مقار الوزارات في القاهرة ثم نقلت إداراتها إلى مبان تديرها شركة العاصمة الإدارية التي تملك هيئة المجتمعات العمرانية 49% منها بينما تذهب 51% لجهازين سياديين تابعين للقوات المسلحة.

 

لذلك قال أستاذ التمويل والاقتصاد الإسلامي أشرف دوابه إن ما يجري يحمل غموضا اقتصاديا واضحا لأن الدولة التي تمتلك الأرض والمقار القديمة تقبل بدفع إيجار سنوي لمبان داخل مشروع قام أصلا على أراض عامة وبذلك تتسع أعباء موازنة فقيرة ومنهكة بالديون.

 

وبحسب دوابه فإن هذا المسار يخالف قواعد الرشادة الاقتصادية لأن الحكومة لم تشترط ملكية ما تحتاجه من مبان داخل العاصمة الجديدة مقابل الأرض التي خُصصت للمشروع بشروط ميسرة بينما اختارت صيغة الانتفاع التي تنقل الفاتورة كل عام إلى دافع الضرائب.

 

في المقابل لا تقف الكلفة عند الإيجار الجديد إذ رصدت الموازنة 3.8 مليار جنيه لصيانة مباني الحي الحكومي مقابل 3.2 مليار جنيه في العام الحالي بزيادة 0.6 مليار جنيه رغم حداثة المباني التي جرى تسويقها باعتبارها نقلة تقنية وإدارية متقدمة.

 

صيانة وبدلات تكشف تكلفة الانتقال التي أُخفيت عن المصريين

 

لاحقا تضيف بنود الانتقال والسكن طبقة أخرى من الإنفاق إذ خصصت الموازنة 678.1 مليون جنيه لبدلات انتقال الموظفين المنتقلين من مقار الوزارات القديمة إلى العاصمة الإدارية مقابل 652.8 مليون جنيه هذا العام كما خصصت 554.8 مليون جنيه لبدل السكن مقابل 498.7 مليون جنيه.

 

بهذا تصبح فاتورة العاصمة ليست مجرد مبان جديدة بل سلسلة مصروفات تشغيلية دائمة تبدأ بالإيجار والصيانة ولا تنتهي عند بدل الانتقال والسكن وهو ما يفرغ خطاب التقشف الحكومي من معناه عندما تتحول إدارة حي واحد إلى بند يتضخم وسط عجز يتجاوز تريليون جنيه.

 

في هذا السياق قال البرلماني السابق أيمن صادق إن رقم 12.03 مليار جنيه يكشف خللا في إدارة المال العام لأن الحي الحكومي لم يكن يفترض أن يتحول إلى عبء متنام على الموازنة في وقت تعلن فيه الحكومة نفسها صعوبة الإنفاق وارتفاع العجز.

 

كما اعتبر صادق أن قفز حق الانتفاع وحده إلى 7 مليارات جنيه بعد أن كان صفرا يطرح سؤالا مباشرا عن سبب تحميل دافع الضرائب هذه الفاتورة بينما كان المشروع يقدم للمصريين بوصفه تنظيما إداريا لا بابا جديدا لاقتطاع الموارد العامة.

 

علاوة على ذلك يربط صادق ارتفاع الصيانة إلى 3.8 مليار جنيه بواحد من احتمالين لا يخدمان الحكومة إما سوء تنفيذ منذ البداية أو سوء إدارة لاحق لأن المباني الحديثة لا يفترض أن تحتاج إلى هذه الكلفة السنوية بينما تطالب الدولة المواطنين بقبول تقليص الخدمات.

 

ديون وغياب رقابة يضعان المصريين أمام فاتورة مفتوحة

 

في الخلفية تقف موازنة 2026/2027 على قاعدة اقتراض واسعة إذ تعتمد الموارد على الاقتراض بنسبة 49.1% بينما تصل حصة الضرائب إلى 43.2% في مشهد وصفه الخبير الاقتصادي أحمد خزيم بأنه دائرة جهنمية تضغط على المصريين من الديون والضرائب معا.

 

بناء على ذلك لا تبدو زيادة الحي الحكومي رقما معزولا لأن خدمة الدين التي تبلغ 5.227 تريليون جنيه تلتهم القدرة المالية للدولة ثم تأتي فاتورة العاصمة لتضيف إنفاقا غير منتج إلى موازنة تحتاج إلى الصحة والتعليم والمياه والصرف الصحي والدعم أكثر من مبان إدارية باهظة.

 

وفي قراءة موازية قال الصحفي الاستقصائي ناجي عباس إن بند حق الانتفاع الذي انتقل من صفر إلى 7 مليارات جنيه يحتاج تفسيرا حكوميا واضحا بشأن الجهة التي تتلقى الأموال وآلية السداد وسبب تحول الانتفاع إلى إيجار مدفوع في عام واحد.

 

كذلك يرى عباس أن زيادة 177% صحيحة حسابيا لكنها تحتاج إلى جدول معلن للتكاليف المتوقعة خلال 5 و10 سنوات لأن ترك الأرقام بلا تفسير يفتح باب الشك ويمنع الجمهور من معرفة ما إذا كانت مباني القاهرة القديمة تحقق عائدا يعادل الفاتورة الجديدة.

 

ومن زاوية رقابية يكتسب استجواب النائب فريد البياضي عن تعطل ألواح الطاقة الشمسية فوق مباني الحي الحكومي أهمية إضافية لأنه يربط كلفة التشغيل المرتفعة بشبهة إهدار مال عام وسوء إدارة لاستثمارات الطاقة النظيفة داخل المشروع نفسه.

 

في الأثناء يمتد الحي الحكومي على نحو 1.5 مليون متر مربع بما يعادل 360 فدانا ويضم مبنى مجلس الوزراء و34 وزارة ومجلسي النواب والشيوخ وهيئات إدارية بينها هيئة الرقابة الإدارية بينما تشير تقديرات سابقة إلى أن كلفته الإنشائية تجاوزت 50 مليار جنيه.

 

وكان رئيس شركة العاصمة السابق أحمد زكي عابدين قد قال إن تكلفة المرحلة الأولى من الحي الحكومي بلغت 50 مليار جنيه ومولت من حصيلة بيع الأراضي دون أن تدفع الحكومة شيئا لكن الفاتورة الحالية تكشف أن عدم الدفع عند الإنشاء لا يعني عدم دفع عند التشغيل.

 

ثم جاءت عمليات نقل الوزارات بين نهاية 2023 وبداية 2024 بالتوازي مع قرارات ضم مقار حكومية قديمة بوسط القاهرة إلى صندوق مصر السيادي تمهيدا لتطوير بعضها أو تحويلها إلى فنادق أو طرحها لمستثمرين مصريين وأجانب.

 

وبذلك انتقلت الدولة عمليا من مقار مملوكة في قلب القاهرة إلى مبان تدفع مقابل استخدامها في العاصمة الجديدة بينما يبقى مصير عوائد المقار القديمة غير واضح للمواطن الذي يواجه ضرائب أعلى وأسعارا أوسع وخدمات تضيق كلما اتسعت فواتير المشروعات الكبرى.

 

في النهاية تكشف موازنة الحي الحكومي أن العاصمة الإدارية لم تعد مشروعا خارج الضغط اليومي على المصريين بل صارت بندا مباشرا في جيوبهم لأن كل مليار يذهب إلى إيجار وصيانة وانتقال وسكن داخل حي إداري هو مليار يغيب عن مدرسة ومستشفى وخدمة عامة يحتاجها الناس.