كشفت تعاملات البنوك المصرية اليوم الأحد عن بقاء الدولار قرب 54 جنيهًا، بعدما سجل لدى البنك المركزي 53.55 جنيه للشراء و53.69 جنيه للبيع، بينما اقترب أعلى سعر في بعض البنوك من 53.69 جنيه للبيع، وسط توقعات بوصول العملة الأمريكية إلى 55 جنيهًا بنهاية العام المالي الحالي.

 

ويأتي هذا الارتفاع بعد تخارجات قوية من أدوات الدين الحكومية، ومخاوف من فشل المفاوضات الأمريكية الإيرانية واتساع التصعيد الإقليمي، وهو ما يضع المواطن أمام نتيجة مباشرة لسياسة اقتصادية ربطت استقرار الجنيه بأموال قصيرة الأجل تهرب عند أول موجة خطر.

 

الدولار يصعد مع خروج الأموال الساخنة

 

مع بداية تعاملات الأسبوع، ظل سعر صرف الدولار عند مستويات مرتفعة في البنوك المصرية، بعدما عاد خلال الأسبوع الماضي للتداول فوق 53 جنيهًا، بعد فترة انتعاش مؤقتة للجنيه، وهو تحرك كشف أن التحسن السابق لم يكن قائمًا على إنتاج أو صادرات كافية.

 

وبحسب إحصاءات سوق الصرف، سجلت بنوك أبوظبي الإسلامي والكويت الوطني والأهلي الكويتي أعلى سعر للدولار عند 53.59 جنيه للشراء و53.69 جنيه للبيع، بينما سجل بنك المصرف العربي أقل سعر عند 52.97 جنيه للشراء و53.07 جنيه للبيع.

 

وفي البنك الأهلي المصري وبنك مصر، سجل الدولار 53.49 جنيه للشراء و53.59 جنيه للبيع، بينما سجل في بنوك إتش إس بي سي وكريدي أغريكول وأبوظبي التجاري والبركة والإسكندرية 53.47 جنيه للشراء و53.57 جنيه للبيع.

 

ثم جاءت بيانات البنك المركزي لتؤكد أن السعر الرسمي اقترب من ذروة جديدة، حيث سجل الدولار 53.55 جنيه للشراء و53.69 جنيه للبيع، وهو مستوى يضع الجنيه أمام تحول حاد بعد أشهر من حديث الحكومة عن استقرار سوق الصرف واستعادة الثقة.

وبالتزامن مع هذه الحركة، قالت مصادر مصرفية إن صعود الدولار جاء مدفوعًا بتخارجات قوية للأموال الساخنة بلغت نحو 750 مليون دولار خلال جلسات الأسبوع الماضي، رغم وجود تدفقات عرضية في منتصف الأسبوع خففت الضغط مؤقتًا قبل عودة البيع.

لذلك لم يكن ارتفاع الدولار مجرد تغير يومي في شاشات البنوك، بل كان نتيجة مباشرة لاعتماد الدولة على استثمارات أجنبية قصيرة الأجل في سوق الدين، وهي أموال تدخل بحثًا عن عائد مرتفع وتخرج بسرعة عند أي توتر سياسي أو مالي.

 

التوتر الإقليمي يفضح رهان الحكومة على الديون

 

بعد تخارج المستثمرين، ربطت المصادر المصرفية التحرك المفاجئ للدولار بتوقعات فشل المفاوضات الأمريكية الإيرانية، وما تبعها من مخاوف تصعيد في المنطقة، ثم خروج أجانب من أسواق الدين المحلية، وهو ما وضع سعر الصرف تحت ضغط فوري.

 

ومن خلال آلية العرض والطلب، تعاملت سوق الصرف مع نقص التدفقات بزيادة سعر الدولار، لأن خروج الأموال الأجنبية يحتاج إلى تغطية دولارية من السوق، وتتم هذه العملية أساسًا عبر التعاملات بين البنوك، فيرتفع السعر وفق حجم الطلب والضغط.

 

وفي السوق الثانوية للدين الحكومي، سجلت تعاملات العرب والأجانب صافي بيع قدره 237.5 مليون دولار يوم الخميس، بعد صافي شراء بلغ 204 ملايين دولار يوم الأربعاء، وقبل ذلك سجلت موجة تخارج يومي الاثنين والثلاثاء صافي بيع بلغ 558 مليون دولار.

 

وبذلك تكشف الأرقام أن سوق الصرف لم تتحرك بسبب طلب تجاري طبيعي فقط، بل بسبب هروب جزء من المستثمرين الأجانب من أدوات الدين، وهو ما يضع الجنيه تحت رحمة قرار استثماري خارجي لا يخضع لاحتياجات المواطنين أو الإنتاج المحلي.

 

وفي قراءة لهذه السياسة، يرى الخبير الاقتصادي هاني جنينة أن الاعتماد على استثمارات الأجانب في الدين المحلي يجعل سعر الصرف حساسًا للصدمات الخارجية، لأن المستثمر الذي يدخل سريعًا للحصول على العائد يستطيع الخروج سريعًا عند ارتفاع المخاطر.

 

كذلك يؤكد الخبير الاقتصادي محمد فؤاد أن مرونة سعر الصرف لا تكفي وحدها لضبط السوق، إذا لم تدعمها موارد دولارية مستدامة من التصدير والاستثمار المباشر وتحويلات مستقرة، لأن ترك السعر يتحرك مع الأموال الساخنة ينقل الأزمة مباشرة إلى الأسعار.

 

من 55 إلى 60 جنيهًا.. فاتورة يدفعها المواطن

 

في أحدث التوقعات، رجحت وكالة التصنيف الائتماني ستاندرد آند بورز ارتفاع الدولار إلى 55 جنيهًا بنهاية العام المالي الحالي، ثم إلى 60 جنيهًا بنهاية العام المالي المقبل، كما رجحت وصوله إلى 63 جنيهًا في يونيو 2028 و66 جنيهًا في يونيو 2029.

 

وعلى جانب المالية العامة، قالت وزارة المالية إن زيادة سعر الصرف جنيهًا واحدًا تكلفها ما يزيد على مليار جنيه، بينما تصل التكلفة إلى 3 مليارات جنيه إذا بلغ الدولار 49 جنيهًا، و4 مليارات جنيه عند 50 جنيهًا، وفق إطار التعامل مع الأزمة.

 

ومع صعود الدولار إلى 51 جنيهًا، ترتفع التكلفة الإضافية إلى 5 مليارات جنيه، ثم تصل إلى 7 مليارات جنيه عند 52 جنيهًا، وهو ما يعني أن المستويات الحالية فوق 53 جنيهًا تضع الموازنة أمام عبء أكبر من الأرقام التي كانت الوزارة تحذر منها.

 

ومن ناحية الأسعار، ترى أستاذة الاقتصاد عالية المهدي أن تراجع الجنيه يرفع تكلفة السلع المستوردة ومستلزمات الإنتاج، لأن مصر تعتمد على الواردات في الغذاء والطاقة ومدخلات الصناعة، ولذلك ينتقل أثر الدولار بسرعة من البنوك إلى الأسواق وإلى إنفاق الأسر.

 

ومع أن الجنيه أنهى عام 2025 بأداء قوي وارتفع بنسبة 6.7% أمام الدولار بدعم من تحويلات المصريين بالخارج واستعادة السيولة في القطاع المصرفي، فإن الارتداد الحالي يكشف أن التحسن ظل معرضًا للتآكل ما دامت موارد العملة مرتبطة بتدفقات متقلبة.

 

لذلك تبدو توقعات وصول الدولار إلى 60 جنيهًا ليست رقمًا ماليًا منفصلًا عن حياة الناس، لأن كل زيادة في سعر الصرف ترفع تكلفة الدواء والغذاء والنقل والطاقة والمواد الخام، بينما تظل الدخول ثابتة أو أقل قدرة على ملاحقة الغلاء.

 

وفي النهاية، يفضح صعود الدولار قرب 54 جنيهًا مأزق السياسة الاقتصادية التي باعت للجمهور فكرة الاستقرار بينما أبقت الجنيه مكشوفًا أمام الأموال الساخنة والتوترات الإقليمية، فإذا خرج المستثمر الأجنبي ارتفع الدولار، وإذا ارتفع الدولار دفع المواطن الفاتورة في الأسعار والديون والموازنة.